نأتي إلى الدنيا باكين…
يظنّ من حولنا أن البكاء إعلانٌ عن بداية الحياة، وربما كان في حقيقته أول تعبير عن الخوف فقد غادرنا دفء الرحم وأمانه إلى عالمٍ لا نعرف عنه شيئًا، فضاقت بنا الحيلة ولم نجد غير الصراخ.
ثم تأخذنا الأم بين ذراعيها، فتمنحنا بحضنها شيئًا من الأمان الذي فقدناه، ويسكن البكاء قليلًا… لكن الخوف لا يرحل.
إنه يولد معنا، ويكبر إلى جوارنا، ويبدّل ملامحه كلما تبدّلت أعمارنا كأنه قرينٌ خفيّ كُتب عليه أن يرافق الإنسان منذ صرخته الأولى حتى أنفاسه الأخيرة.
حين نكون أطفالًا، نخاف الظلام، والوحدة، وذلك الوحش الذي شاهدناه في فيلمٍ كرتوني وظلّت صورته عالقة في خيالنا الصغير. كانت مخاوف بسيطة، لا تستند إلى واقع ولا تقود إلى عواقب، لكنها كانت كافية لتعكير بعض ليالي البراءة.
ثم نكبر قليلًا، فيكبر الخوف معنا…
نخاف نتيجة امتحان، أو توبيخًا ننتظره، أو مشاعر بريئة تسلّلت إلى القلب في سنوات المراهقة. ونرتجف في أول مرة نجلس فيها في مقعد القيادة بسيارة ، ونخشى الفشل قبل أن نعرف معناه كاملًا.
كان الخوف يومها لا يزال صغيرًا، نستطيع الهروب منه إلى ضحكةٍ مع الأصدقاء، أو حضنٍ من الأم، أو كلمة طمأنينة من الأب. لم يكن قد تعلّم بعد كيف يحاصر القلب من جميع الجهات.
لكن الأيام تمر، ويأتي اليوم الذي تنتهي فيه حفلة التخرج…
ينفضّ الجمع، وتهدأ الموسيقى، وتُلتقط الصورة الأخيرة، ثم يعمّ الصمت؛ وكأن الحياة تقف لحظةً احترامًا لميلاد نسخة جديدة، أكثر نضجًا وقسوة، من الخوف.
منذ تلك اللحظة تتغيّر الأسئلة:
ماذا بعد؟
هل أجد عملًا؟
هل أنجح؟
هل أستطيع إثبات نفسي؟
هل اخترت الطريق الصحيح؟
وماذا لو ضاع العمر في الطريق الخطأ؟
وهكذا يبدأ الخوف في فرد جناحيه فوق أيامنا.
نخاف اختيار شريك الحياة، ثم نخاف ألّا تستمر الحياة كما تمنّينا. وحين يأتينا المولود الأول، نحمله بين أذرعنا والفرحة تكاد تفيض من القلب، لكن الخوف يتسلّل إلى أجمل لحظاتنا دون استئذان:
هل سيكون بخير؟
هل أستطيع حمايته؟
هل يعيش سعيدًا؟
وماذا يخبئ له المستقبل؟
ألف سؤالٍ يبدأ بـ«هل»، وألف طعنةٍ تبدأ بـ«ماذا لو»؛ حتى يصبح الشيء الذي نحبّه أكثر هو نفسه أكثر ما نخاف عليه.
وكلما عاش الإنسان، لم تنقص مخاوفه… بل تطورت.
نخاف على أبنائنا، وعلى أرزاقنا، وعلى صحتنا، وعلى من نحب. نخاف أحداثًا مجهولة لم تقع، وربما لن تقع أبدًا. نضع الخطط، ثم نظل نترقّب شيئًا لا ندركه ولا نعلمه، يأتي فجأةً فيفسدها علينا.
نخاف ضيق الحال، وفقدان العمل، وخيانة الجسد، ورحيل الأحبّة. نخاف أن تضيع أحلامنا، ثم نخاف أن يضيع العمر ونحن نحاول الوصول إليها. نخاف الفشل إن بدأنا، والندم إن تراجعنا، والمجهول أيًّا كان الطريق الذي اخترناه.
والمؤلم أن الخوف لا يكتفي بتحذيرنا من الألم، بل يسرق منّا الفرح قبل أن نعيشه.
نحتفل ونحن ننتظر المصيبة، وننجح ونحن نخشى السقوط، ونحتضن أبناءنا بينما يرسم خيالنا لهم مخاطر لم تحدث. فلا نطمئن إلى حاضرٍ جميل؛ لأننا منشغلون بمستقبلٍ مجهول.
وهكذا لا تقتلنا الأشياء التي خفنا منها بالضرورة… بل قد يقتلنا خوفنا منها.
يمضي العمر ونحن نحاول تأمين الغد، ثم نكتشف متأخرين أننا أهدرنا اليوم. نظل أسرى للقلق، مع أننا نعلم في أعماقنا أن الخوف لم يغيّر قدرًا، ولم يزد رزقًا، ولم يمنع مرضًا، ولم يؤخّر رحيلًا.
نحن فقط عشنا الألم مرتين:
مرةً في خيالنا، وربما مرةً أخرى إن وقع.
وقبل أن أذكّرك يا عزيزي، فإنني أذكّر نفسي:
لسنا مطالبين بأن نعرف كل ما ينتظرنا، ولا بأن نسيطر على كل ما سيأتي. نحن مطالبون بالسعي، ثم التسليم؛ وبالأخذ بالأسباب، ثم ترك النتائج لمن بيده الأسباب والنتائج جميعًا.
قال رسول الله ﷺ:
«لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله عز وجل».
وقال الله تعالى في الحديث القدسي:
«أنا عند ظن عبدي بي».
فيا رب…
إن كان خوفنا نابعًا من ضعفنا، فاغفر لنا ضعفنا. وإن ضاقت صدورنا بما لا نعلم، فاملأها يقينًا بك. واختر لنا الخير، ولا تكلنا إلى اختيارنا؛ فنحن لا نعلم أين الخير، وأنت وحدك العليم بكل شيء.
يا رب، إننا عبادك؛ أحسنّا الظن بك، ورفعنا أيدينا إليك، ووضعنا بين يديك أبناءنا وأرزاقنا وصحتنا وأحلامنا وأعمارنا…
فامنح قلوبنا من الطمأنينة ما يجعلنا نعيش الحياة، بدلًا من أن نهدرها خوفًا .

