تناولت في مقالي السابق أهمية تعلم اللغة الصينية، وذكرت فيه أن المستقبل لن يكون لمن يتقن اللغة وحدها، وإنما لمن يجمع بين اللغة والتخصص.
واليوم أستكمل هذه الرؤية بالحديث عن إحدى أهم التجارب التعليمية الصينية، التي أرى أنها تستحق اهتمامًا أكبر في مصر، وهي ورش لوبان، لأنها تمثل نموذجًا عمليًا للربط بين التعليم وسوق العمل، وبين المعرفة والإنتاج.
جاءت فكرة ورش ((لوبان)) وهو أشهر الحرفيين والمهندسين في التاريخ الصيني، ويعد رمزًا للإبداع والإتقان، ولذلك حملت هذه المبادرة اسمه لتؤكد أن التنمية تبدأ من الإنسان الماهر، وأن الصناعة القوية لا تقوم على المعدات وحدها، بل على الكفاءات القادرة على تشغيلها وتطويرها.
ولعل أهم ما يميز ورش لوبان أنها ليست مجرد معامل أو قاعات تدريب، وإنما فلسفة تعليمية متكاملة تقوم على دمج الدراسة النظرية بالتطبيق العملي، وربط المناهج باحتياجات الصناعة، وإعداد خريج يمتلك المهارة التي يحتاجها سوق العمل، لا مجرد شهادة جامعية.
ولهذا تعتمد الورش على شراكة وثيقة بين الجامعات والمؤسسات التعليمية والشركات الصناعية، بحيث يتلقى الطالب تدريبًا عمليًا على أحدث التقنيات في مجالات مثل الروبوتات، والطاقة الجديدة، والذكاء الاصطناعي، والتحكم الرقمي ، والاتصالات، والتصنيع الذكي، وهي المجالات التي تقود الاقتصاد العالمي اليوم.
ولم يكن اختيار الصين لهذا النموذج مصادفة، بل جاء انطلاقًا من قناعة بأن نجاح أي مشروع استثماري لا يتحقق ببناء المصنع فقط، وإنما ببناء الإنسان الذي سيديره ويطوره. ولذلك أصبحت ورش لوبان إحدى أهم أدوات التعاون الدولي الصيني، خاصة الدول النامية.
التجربة المصرية… نجاح يستحق البناء عليه
كانت مصر من أوائل الدول الأفريقية التي احتضنت هذه المبادرة، حيث أُطلقت ورش لوبان في30 من نوفمبر 2020 بالتعاون بين كلية تيانجين للنقل المهني، وجامعة عين شمس، وتقوم فكرة ورشة لوبان فى كلية الهندسة بجامعة عين شمس على اكساب الطلاب من مختلف التخصصات الهندسية مهارات عملية فى مجالات استخلاص الطاقة وصيانة ماكينات التشغيل الرقمى وصيانة السيارات، والهدف هو سد فجوة فى الاحتياج لهذه التخصصات مع تنامى الاستثمار الصناعى فى المنطقة ، وتضم ورشة لوبان بكلية الهندسة جامعة عين شمس ورش للسيارات، الطاقة، والماكينات التي تدار بالحاسب الآلي وذلك لتدريب طلاب أقسام الميكاترونيك، الطاقة والسيارات بالكلية وكليات الهندسة بالجامعات المصرية تدريبا عمليا، حيث يحصل الطالب على شهادة خبرة عملية معتمدة من كلية الهندسة جامعة عين شمس وورشة لوبان
والورشة الثانية( لوبان -مصر) كانت مع المدرسة الفنية المتقدمة لتكنولوجيا الصيانة بمدينة نصر والتي تم اختيارها كمقر لورشة لوبان الصينية منذ عام ٢٠١٩، حيث تتضمن معدات تكنولوجية ومقررات في مجال صيانة السيارات الحديثة، والتصنيع عن طريق التكنولوجيا ،وتعمل حاليا ورشة (لوبان_مصر) في تطبيق برامج دراسية متقدمة 3+2، ثلاث سنوات فني اصلاح السيارات +٢ فني أول أوتوترونك المركبات، ثلاث سنوات فني تشغيل معادن +٢ فني أول برمجة وتشغيل ماكينات التحكم.
وتشير البيانات إلى أن الورش في مصر قدمت خمسة برامج دولية، وأسهمت في تدريب أكثر من 600 طالب، إلى جانب مئات الدارسين في البرامج غير النظامية، كما جرى تدريب 158 معلمًا وفق (نموذج EPIP)،وهو النموذج الذي يربط بين الهندسة والتطبيق والابتكار والعمل في المشروعات، بما يعزز قدرة المعلمين على نقل هذا الفكر إلى الأجيال الجديدة.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تحصل ورشة لوبان في مصر على جائزة “الحزام والطريق” للابتكار في التعليم والتدريب” عام 2023، وهو تقدير يعكس نجاح التجربة وإمكانية البناء عليها في مراحل أكثر اتساعًا.
من مشروع تعليمي إلى مشروع تنموي
من وجهة نظري، فإن الخطوة التالية يجب ألا تقتصر على نجاح ورشتين أو ثلاث، وإنما الانتقال إلى مشروع وطني للتوسع في ورش لوبان، بحيث تصبح جزءًا من استراتيجية الدولة لإعداد الكوادر البشرية.
وأرى أن الأولوية ينبغي أن تكون للجامعات والمدارس الفنية الواقعة داخل أو بالقرب من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باعتبارها أكبر تجمع للاستثمارات الصناعية، خاصة الصينية. فهذه المنطقة تحتاج إلى مهندسين وفنيين وتقنيين يجيدون التعامل مع أحدث خطوط الإنتاج، وهو ما يجعل وجود ورش لوبان بالقرب منها استثمارًا مباشرًا في نجاح المشروعات الصناعية وزيادة جاذبية المنطقة للمستثمرين.
وفي الوقت نفسه، لا يقل صعيد مصر أهمية عن ذلك. فجامعات أسيوط، وسوهاج، وجنوب الوادي، والأقصر، وأسوان، تمتلك إمكانات كبيرة يمكن توظيفها من خلال إنشاء ورش لوبان متخصصة، ترتبط بالميزة النسبية لكل إقليم؛ سواء في التعدين، أو الطاقة الشمسية، أو التصنيع الزراعي، أو الصناعات الغذائية، أو السياحة، بما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية للشباب داخل محافظاتهم.
إن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها ورش لوبان تستحق أن نتأملها جيدًا؛ فهي لا تقدم أجهزة ومعدات فقط ، وإنما تقدم منهجًا في التفكير، يقوم على أن التعليم يجب أن يخدم التنمية، وأن الجامعة ينبغي أن تكون شريكًا للمصنع، وأن الطالب يجب أن يتخرج وهو يمتلك المهارة التي يحتاجها سوق العمل.
رؤية للمستقبل
مصر لا تحتاج إلى استنساخ التجربة الصينية، وإنما إلى الاستفادة من فلسفتها وتطويعها بما يتناسب مع أولوياتها الوطنية. فكل ورشة لوبان جديدة تعني مزيدًا من الكفاءات القادرة على التعامل مع تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، وتعني فرصًا أكبر لجذب الاستثمارات، ورفع تنافسية الصناعة المصرية، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الحقيقي.
لقد أثبتت الصين أن الاستثمار في الإنسان هو أقصر الطرق إلى التنمية المستدامة. وإذا كانت مصر قد نجحت في استضافة أولى ورش لوبان في أفريقيا، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد توسعًا مدروسًا في هذه التجربة، حتى تصبح جزءًا من منظومة إعداد الكوادر التي تحتاجها الجمهورية الجديدة.
تعد ورش لوبان فرصة لإعداد جيل جديد يمتلك المعرفة والمهارة والثقة، ويستطيع أن يقود الصناعة الوطنية في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتزايد فيه المنافسة، فالتوسع في هذه الورش لم يعد خيارًا، بل استثمارًا في مستقبل مصر.
*المستشار أحمد سلام
عضو المجلس المصري للشئون الخارجية
والمستشار الاعلامي المصري السابق ببكين

