«بسم الله، وما النصر إلا من عند الله»
هكذا تبدأ الحكاية من المكان الذي لا تنتهي فيه الحكايات…
في السادس من أكتوبر عام 1973، لم تعبر القوات المسلحة المصرية قناة السويس فقط، ولم تُحطم خط بارليف وحده؛ بل عبر الإنسان المصري من ضفة الانكسار إلى ضفة الإرادة، ومن سؤال: «هل نستطيع؟» إلى إجابة لم يعد التاريخ قادرًا على نسيانها: نعم… نستطيع.
لكنني اليوم لا أريد أن أكتب عن أكتوبر باعتباره صورة معلقة على جدار، أو أغنية نسمعها كل عام، أو ذكرى نحتفل بها ثم نعود إلى حياتنا.
أريد أن أكتب عن أكتوبر الذي يعيش فينا حتى الآن.
لأن أعظم ما تركته الحرب للأجيال الجديدة ليس فقط الأرض التي عادت، ولا المشهد العسكري الذي أذهل العالم، وإنما ذلك المعنى العميق الذي يقول للإنسان:
لا تصدق أن المستحيل أقوى منك… قبل أن تحاول.
كان الجندي المصري يعرف أن أمامه مانعًا مائيًا وخطًا حصينًا وجيشًا يمتلك تفوقًا في السلاح، لكنه لم يجعل صعوبة الواقع سببًا للاستسلام.
وهنا أول درس لأبنائنا وشبابنا:
الإنسان لا يُهزم عندما يخسر جولة، وإنما عندما يقتنع أن المحاولة لا فائدة منها.
أكتوبر كان انتصارًا على اليأس قبل أن يكون انتصارًا في الميدان.
وكان وراء النصر تخطيط طويل، وتدريب، وصبر، وتضحيات، وتنسيق، وسرية، وإرادة سياسية وعسكرية. ولهذا فإن النصر لم يكن لحظة حظ، بل نتيجة سنوات من الاستعداد والعمل.
وهنا الدرس الثاني:
لا تنتظر نتيجة عظيمة بعقلية الخطوة الصغيرة المترددة.
إذا أردت أن تنجح في حياتك، في عملك، في دراستك، في مشروعك، أو حتى في معركتك مع نفسك… خطط، واستعد، وتعلم، واصبر.
فمن يريد عبور «قناة السويس» في حياته، عليه أولًا أن يبني الجسر داخل نفسه.
أكتوبر والنفس البشرية
هناك خط بارليف آخر داخل كل إنسان.
قد يكون خوفًا…
قد يكون عادة سيئة…
قد يكون فشلًا قديمًا…
قد يكون كلمة قالها أحدهم لك فأقنعتك أنك لا تستطيع…
وقد يكون خوفك من البداية نفسها.
لكن أكتوبر يقول لك:
اكسر الحاجز الذي أقنعك أنك ضعيف.
فليس كل حاجز مصنوعًا من خرسانة.
بعض الحواجز تُبنى داخل العقل.
وبعض المعارك لا تحتاج إلى دبابة أو طائرة، وإنما تحتاج إلى قرار.
قرار أن تبدأ.
قرار أن تتعلم.
قرار أن تنهض بعد السقوط.
قرار أن تقول لنفسك:
أنا لم أخسر… أنا ما زلت في الطريق.
وإلى شباب مصر…
لا تجعلوا أكتوبر مجرد تاريخ تحفظونه في المدرسة.
اجعلوه طريقة تفكير.
تعلموا من أبطال أكتوبر أن النجاح يحتاج إلى فريق، وأن الوطن لا يبنى بفرد واحد، وأن الاختلاف في الأدوار لا يعني الاختلاف في الهدف.
الجندي له دوره…
المهندس له دوره…
الطبيب له دوره…
المعلم له دوره…
العامل له دوره…
والشاب الذي يجلس اليوم أمام شاشة هاتفه له دور أيضًا.
فالمعركة في زمننا لم تعد فقط على الحدود.
هناك معركة العلم.
ومعركة الاقتصاد.
ومعركة التكنولوجيا.
ومعركة الوعي.
ومعركة بناء الإنسان.
ومن يملك المعرفة يستطيع أن يبني مستقبله، ومن يملك الوعي يستطيع أن يحمي عقله، ومن يملك الإرادة يستطيع أن يحول الأزمة إلى فرصة.
من السادات إلى الحاضر… تتغير المعارك ولا تتغير الإرادة
السادات كان أمام لحظة تاريخية تحتاج إلى قرار.
واليوم تواجه الدولة المصرية تحديات من نوع مختلف؛ إقليمية واقتصادية وتنموية وأمنية، ولذلك أصبح مفهوم القوة أوسع من مجرد القوة العسكرية.
وفي خطاب الذكرى الثانية والخمسين لنصر أكتوبر عام 2025، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن دروس أكتوبر ترتبط بالتخطيط المحكم، والعمل الدؤوب، والتنسيق بين مؤسسات الدولة، وتماسك الجبهة الداخلية.
وفي حديث رئاسي سابق عن ذكرى أكتوبر، جرى التأكيد كذلك على أن النصر ليس نهاية الطريق، وأن الحفاظ على الوطن يرتبط بالسلام والتنمية وبناء قدرات الدولة.
وهنا أرى المعنى الأهم:
أن استكمال أكتوبر في زمننا لا يعني أن نعيش في الماضي، بل أن نبني المستقبل.
فالقوة التي تحمي الوطن ليست فقط في السلاح؛ وإنما أيضًا في اقتصاد قوي، وعلم متقدم، وشباب مؤهل، ومؤسسات قادرة، ووعي يحمي المجتمع من الشائعات والانقسام، وتنمية تجعل المواطن يرى مستقبله داخل وطنه.
وهذه هي المعركة التي لا يسمع فيها صوت المدافع…
لكن نتائجها تحدد شكل المستقبل.
إلى من يراقب مصر…
مصر لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها حتى تثبت وجودها.
يكفي أن يتذكر التاريخ.
يتذكر السادس من أكتوبر.
يتذكر أن المصري عندما يؤمن بقضيته ويستعد لها ويعمل من أجلها، يستطيع أن يغير حسابات من ظنوا أن الأمر محسوم.
لكن رسالة أكتوبر ليست رسالة عدوان.
كانت حربًا لاستعادة أرض وحقوق، ثم أصبح السلام هدفًا أساسيًا في المسار المصري.
وهذا هو الفارق بين القوة التي تحمي الوطن، والقوة التي تبحث عن الصراع.
مصر تعرف معنى القوة…
وتعرف أيضًا معنى السلام.
وأهم درس…
قد يختلف الناس في قراءة الأحداث والسياسات، وقد تتغير القيادات والظروف والأزمنة، لكن هناك حقيقة لا تتغير:
الوطن أكبر من الأشخاص، والتاريخ أطول من اللحظة، والأجيال تستلم الراية ولا تملك حق إسقاطها.
جيل أكتوبر سلّمنا وطنًا يحمل آثار المعركة وذاكرة الشهداء.
وجيلنا مسؤول عن أن يسلّم الأجيال القادمة وطنًا أقوى علمًا، وأكثر قدرة، وأكثر وعيًا، وأكثر استعدادًا للمستقبل.
وهنا يصبح أكتوبر مشروعًا مستمرًا…
ليس في الحرب فقط.
بل في المصنع.
في الجامعة.
في المدرسة.
في المعمل.
في الشركة.
في الجيش.
في الشارع.
وفي عقل كل شاب مصري يقرر ألا يكون مجرد متفرج على المستقبل.
أكتوبر ليس ذكرى…
أكتوبر وصية.
وصية تقول لنا:
لا تيأسوا عندما يبدو الطريق مستحيلًا.
لا تخافوا من حجم التحدي.
لا تستهينوا بقوة الإنسان عندما تتحد الإرادة مع العلم والتخطيط والعمل.
ولا تجعلوا انتصار آبائكم نهاية القصة.
اجعلوه بداية مسؤوليتكم.
فأبطال أكتوبر عبروا قناة السويس…
أما نحن، فعلينا أن نعبر بمصر إلى المستقبل.
وكل جيل له أكتوبره.
وجيلنا أيضًا أمامه معركة…
لكنها معركة بناء.
ومعركة وعي.
ومعركة علم.
ومعركة عمل.
ومعركة وطن.
وفي النهاية…
قد يمضي أكتوبر من التقويم، لكن أكتوبر لا يمضي من الذاكرة.
لأن هناك انتصارات لا تنتهي بانتهاء المعركة…
هناك انتصارات تتحول إلى DNA في شخصية شعب.
وهناك أجيال لا ترث الأرض فقط…
بل ترث معها الإرادة التي حررتها.
رحم الله شهداء مصر…
وحفظ جيشها وشعبها…
وحفظ أرضها…
وكل عام ومصر قوية بإرادة أبنائها.

