4 يوليو، 2026
مقالات

إبراهيم عبدالرازق يكتب: ترامب يدمر.. والخليج يعمر

تتغير الوجوه في السياسة الدولية، لكن قانون الغاب ثابت لا يتغير، لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة.
وهذا ما تجلى بوضوح في تعامل إدارة الرئيس ترامب مع دول الخليج في ولايته الثانية، مقابل الدور الخليجي الذي يسعى للإعمار والإستقرار.
# ترامب يدمر: منطق الصفقات والابتزاز
فقد جاءت جولة ترامب في دول الخليج في مايو (٢٠٢٥) لتؤكد أن البوصلة الأمريكية قد تغيرت.
لم تعد الدبلوماسية التقليدية أو ملفات السلام هي الأولوية، بل جعلت الأولوية للصفقات ولمن يدفع أكثر.
فنجد أن البيت الأبيض قد أعلن عن صفقات بقيمة (٢) تريليون دولار، كما تحدث ترامب عن استثمارات خليجية قد تصل إلى (٤) تريليونات دولار.
إذن الهدف كان واضحاً: جمع الأموال أولا، ثم الحديث عن الأزمات التي تختلقها الإدارة الأمريكية تارة في غزة وتارة أخرى في إيران حتى تجعل المنطقة دائما مشتعلة لتحقيق أهدافها وأهداف إسرائيل في فرض الهيمنة عليها وإضعافها من ناحية، أو ابتزازها اقتصاديا من ناحية أخرى.
# هذا المنطق التجاري وصل إلى حد دمج المال الشخصي بالسياسة، بناء على التقرير الصادر عن لجنة البنوك بمجلس الشيوخ الأمريكي بقيادة السيناتور اليزابيث وارن الذي اتهم فيه إدارة ترامب بأن مسؤولين وكيانات إماراتية استثمروا حوالي (٥٠٠) مليون دولار في شركة للعملات المشفرة والتي أسسها ترامب وأبناؤه قبل أيام من تنصيبه.
وبعدها مباشرة اتخذت الإدارة الأمريكية مالا يقل عن عشرة إجراءات أفادت الإمارات منها الموافقة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة وصفقات أسلحة وتسهيلات استثمارية.
قدر التقرير عائد الصفقة على ترامب وأبناؤه بحوالي (١٨٧) مليون دولار.
كما كشفت الجولة عن إعادة ضبط التحالفات. وصفها المحللون بأنها عودة إلى واقعية ( نيكسون – كسنجر) :
أمريكا ليس لها أصدقاء دائمون. من مظاهر ذلك ( التغييب النسبي لإسرائيل) وعدم حصولها على العلاقات المميزة مع ترامب؛ لأن الأجندة الأمريكية اتسعت لتشمل شراكات مباشرة مع الإمارات والسعودية وقطر.
باختصار شديد من يدفع أكثر يحصل على مقعد أقرب.
# الخليج يعمر: منطق الأمن والإستثمار
وفي المقابل فإن دول الخليج تتعامل بمنطق مختلف. فهي لا تدفع من باب العاطفة أو حبا لهذه الدول، بل من باب الحساب البارد للأمن القومي.
أولا : شراء الإستقرار
فالخيج يدرك أن تدمير غزة ينتج عنه لاجئين وفوضى وتطرف على حدود مصر والأردن. ومن ناحية أخرى فإن انهيار إيران ينتج عنه تهريبا وميليشيات و تهديداً للملاحة في الخليج ؛ لذلك ترى دول الخليج أن الإنفاق على الإعمار أرخص من تكلفة الحرب ، فمنع الدمار والخراب أفضل من إطفائه.
ثانياً: شراء النفوذ
فنجد أن الاستثمارات الخليجية الضخمة في أمريكا – (٦٠٠) مليار دولار من السعودية، و(١,٤) تريليون دولار من الإمارات، و(١,٢ ) تريليون دولار من قطر – قد منحت دول الخليج مقعداً على طاولة القرار الأمريكي وبنفس المنطق التجاري، فإن الإنفاق على الإعمار والتنمية في غزة منذ عام (٢٠٠٨) عبر السعودية و قطر والكويت والإمارات، و منح الوساطات في ملف إيران، يمنح الخليج صوتاً في مستقبل المنطقة بدلاً من تركه فراغ تملأه بعض القوى الإقليمية الأخرى.
الهدف من التعامل مع إيران ليس تعميرها المباشر في ظل العقوبات ،بل احتواؤها، فالإمارات أكبر شريك تجاري غير نفطي لطهران، وعمان والسعودية فتحتا حوارات مباشرة منذ عام (٢٠٢١) لمنع انفجار إقليمي يدمر الجميع.
الخلاصة:
الفرق بين المنطقين صارخ. منطق ترامب تدميري؛لأنه يحول العلاقات الدولية إلى مزاد لمن يدفع أكثر ،ويختزل الأمن القومي في ميزان أرباح وخسائر.
أما منطق الخليج تعميري؛ لأنه يحول هذا إلى مصانع ووظائف داخل أمريكا، وإلى مستشفيات ومدن سكنية في غزة، وإلى وساطات تمنع الحروب.
الخليج يفهم اللعبة جيداً: يدفع اليوم في الإعمار حتى لا يدفع غدا ثمن الخراب والدمار واللاجئين والإرهاب.
وفي عالم لا يوجد فيه صديق دائم ولا عدو دائم، تبقى الحقيقة الوحيدة: (قوتنا في وحدتنا ) ، فإما أن نرسم مستقبل المنطقة بأموالنا وعقولنا، أو ندفع فاتورة من يرسمه لنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *