لا شك أن من حق أي نائب أو متخصص أن يطرح الأسئلة، ومن حق الرأي العام أن يعرف أين نحن من ملف الطاقة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأرقام إلى أداة للهجوم، دون وضعها في سياقها الفني الكامل.
الأصوات التي تتكلم عن انخفاض الإنتاج وكأن آبار البترول والغاز تعمل بكفاءة ثابتة إلى الأبد، وكأن البئر ينتج اليوم بنفس المعدل الذي بدأ به منذ سنوات!
وده ببساطة غير صحيح فنيًا.
أي مهندس بترول يعرف أن الآبار بطبيعتها تدخل في منحنيات إنتاج واستنزاف، وأن انخفاض إنتاجية الآبار القائمة مع مرور الوقت أمر طبيعي، ويحتاج إلى برامج صيانة وWorkover وStimulation وحفر آبار جديدة للحفاظ على معدلات الإنتاج وتعويض التناقص الطبيعي.
والسؤال الأهم هنا:
هل توقفت الدولة عن الحفر؟ هل توقفت عن تنمية الحقول؟ هل توقفت عن البحث والاستكشاف؟
الإجابة: لا
هناك آبار جديدة يتم حفرها، واكتشافات جديدة تمت، ومشروعات تنمية قائمة، ولكن ليس معنى الإعلان عن اكتشاف جديد أنه أصبح في اليوم التالي ينتج مليارات الأقدام المكعبة!
بين الاكتشاف والوصول إلى الإنتاج التجاري توجد مراحل فنية واقتصادية كاملة:
تقييم الاحتياطيات، حفر آبار التقييم والتنمية، الاختبارات، تصميم التسهيلات السطحية، مد خطوط الربط، إنشاء ومعالجة البنية التحتية، ثم وضع الآبار على الإنتاج.
فهل من المنطقي أن نحاسب الوزارة اليوم على إنتاج اكتشاف لم يدخل الإنتاج أصلًا؟!
ثم إن الحديث عن الوصول إلى إنتاج معين في 2030 وكأنه رقم مضمون وثابت، يتجاهل متغيرات أساسية جدًا: معدلات انخفاض إنتاج الحقول القائمة، نتائج الحفر والاستكشاف، توقيت وضع الاكتشافات الجديدة على الإنتاج، معدلات الطلب المحلي، وأسعار وتكلفة الاستيراد والاستثمارات المطلوبة.
أما الحديث عن «ميزان غاز حتى 2030» فأنا أتفق تماماً على أهمية وجوده ونشر بياناته بشفافية، لكن وجود ميزان غاز لا يعني أن الواقع الجيولوجي والإنتاجي سيخضع للجدول الذي نكتبه على الورق.
قطاع البترول ليس دفتر حسابات فقط..
قطاع بيتعامل بالعلم مع ما هو تحت سطح الأرض، ويعتمد على علوم وهندسة وجيولوجيا وبيانات دقيقة، فضلًا عن كونه قطاعًا استراتيجيًا ومحوريًا للدولة والاقتصاد المصري.
وفيه احتياطيات، وضغوط مكمنية، ومعدلات استنزاف، واحتمالات نجاح للحفر، وآبار منتجة وأخرى تتراجع، واكتشافات تحتاج وقتًا حتى تدخل الإنتاج.
لذلك، إذا أردنا محاسبة وزارة البترول، فلنحاسبها على نتائج برامج الحفر والاستكشاف والتنمية، ومعدلات استبدال الإنتاج المتناقص، وسرعة وضع الاكتشافات على الإنتاج، وكفاءة استغلال البنية التحتية، وتكلفة تأمين احتياجات السوق، والعائد الاقتصادي من كل دولار يُنفق.
أما أن نأخذ رقمًا منفردًا ونضع بجانبه رقمًا آخر، ثم نستنتج أن هناك فشلًا في إدارة قطاع كامل بحجم قطاع البترول المصري، فهذه ليست دراسة لقطاع الطاقة.. هذه مجرد عملية حسابية.
والأهم من كل ذلك:
إذا كانت هناك أرقام أو بيانات تراها وزارة البترول غير دقيقة، فاطرح البديل بالأرقام.
قل لنا تحديدًا:
كم كان الإنتاج المتوقع من كل حقل؟
وكم أصبح فعليًا؟
ما معدل التناقص الطبيعي؟
كم بئرًا تم حفره؟
كم بئرًا دخل الإنتاج؟
ما نتائج الاكتشافات الجديدة؟
وما التوقيت المتوقع لوضعها على الإنتاج؟
وكم تم توفيره من الإنتاج المحلي مقابل الاستيراد؟
هنا يكون النقاش فنيًا ومحترمًا ويستحق أن يستمع إليه الناس.
أما اختزال قطاع كامل في عنوان من نوع «البروباجندا وميزان الغاز»، ثم تجاهل طبيعة صناعة الاستكشاف والإنتاج، فهو في رأيي أقرب إلى صناعة انطباع عن القطاع من كونه تقييمًا حقيقيًا لأدائه.
نحن لا نطلب من أحد أن يصفق لوزارة البترول، ولا نرفض النقد.
لكننا نرفض أن يتحول النقد إلى حكم مسبق، وأن تتحول الأرقام من وسيلة للفهم إلى وسيلة للهجوم.
وزارة البترول تُحاسب بالأرقام فعلًا…
لكن بالأرقام الكاملة، وبالسياق الفني الكامل، وبما تم إنجازه على الأرض، وليس برقم منفصل يصلح لصناعة عنوان مثير.🤫

