29 أكتوبر، 2026
البترول مقالات

المهندس أحمد مختار يكتب: ثلاث سنوات لرئيس شركة .. قرار لتجديد الدماء وترسيخ الحوكمة

أثار التصريح المنسوب إلى المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، بشأن تحديد مدة رئاسة شركات قطاع البترول بثلاث سنوات كحد أقصى، اهتمامًا يستحق التوقف أمامه وتحليله من منظور إداري ومؤسسي.

ومن وجهة نظري، فإن هذا التوجه يُعد خطوة إيجابية وحكيمة نحو تجديد الدماء داخل القطاع، وتعزيز كفاءة الإدارة، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالنتائج، شريطة أن يُطبق في إطار واضح من الحوكمة والتقييم الموضوعي للأداء.
فثلاث سنوات مدة كافية، في كثير من الحالات، لكي يضع رئيس الشركة رؤيته الاستراتيجية (Vision) ورسالتها وأهدافها (Mission)، ويحدد أولويات التطوير، ويبدأ تنفيذ خطته لتحقيق المستهدفات. وخلال العام الثاني، يمكن أن تظهر مؤشرات حقيقية توضح مدى قدرته على إحداث تغيير إيجابي في الأداء، بينما تتيح السنة الثالثة تقييم النتائج وقياس مدى تحقق الأهداف التي وضعها منذ توليه المسؤولية.
ولا يعني ذلك أن كل شركة يمكن تطويرها بالكامل خلال ثلاث سنوات، فطبيعة الأنشطة وحجم الاستثمارات والتحديات التشغيلية تختلف من شركة إلى أخرى. لكن المؤكد أن استمرار المسؤول في موقعه لفترات طويلة لا ينبغي أن يكون هو المعيار، بل يجب أن تكون الكفاءة والإنجاز والقدرة على التطوير هي الأساس في تقييمه واختيار من يخلفه.

أنماط رؤساء الشركات

من واقع طبيعة العمل المؤسسي، يمكننا التمييز بين عدد من الأنماط الإدارية التي قد نجدها بين رؤساء الشركات، مع التأكيد أن هذه التصنيفات وصفية وليست أحكامًا مطلقة على الأشخاص:
أولًا: الرئيس الكاريزمي: هو القائد الذي يتمتع بشخصية مؤثرة وحضور قوي، وقدرة على التواصل والإقناع وتحفيز العاملين. يمتلك رؤية واضحة، ويستطيع أن يكسب ثقة المحيطين به، ويحول أفكاره إلى أهداف مشتركة يعمل الجميع على تحقيقها. ولا تقتصر الكاريزما الحقيقية على المظهر أو طريقة الحديث، بل تمتد إلى قوة الشخصية، وسلامة القرار، والقدرة على تحمل المسؤولية وصناعة الفارق.
ثانيًا: الرئيس المجتهد: هو المسؤول الذي يعتمد على العمل الجاد والانضباط والمتابعة المستمرة، ويبذل جهدًا كبيرًا في كل موقع يتولى مسؤوليته. وغالبًا ما يحظى بتقدير زملائه ورؤسائه لما يتمتع به من التزام وإخلاص. ويتميز هذا النمط بقدرته على تحويل الجهد إلى نتائج ملموسة، إلا أن النجاح في رئاسة الشركات يتطلب، إلى جانب الاجتهاد، امتلاك مهارات القيادة والتخطيط والتفويض واتخاذ القرار.
ثالثًا: الرئيس الذي جاء بالتدرج الوظيفي : هو المسؤول الذي نشأ داخل الشركة وتدرج في مناصبها حتى وصل إلى رئاستها. وقد يكون هذا الاختيار ناجحًا للغاية إذا كان قائمًا على الكفاءة والخبرة والإنجاز؛ فمعرفته بتفاصيل الشركة وطبيعة العاملين بها تمثل ميزة مهمة. أما إذا كان الاختيار لمجرد الأقدمية أو اعتبارات لا ترتبط بالكفاءة القيادية، فقد يجد صعوبة في الانتقال من دور تنفيذي أو فني إلى دور استراتيجي يتطلب رؤية شاملة وقدرة على قيادة المؤسسة بأكملها.
رابعًا: الرئيس الذي وصل بدعم العلاقات الشخصية : يمثل هذا النمط أحد التحديات التي تواجه أي مؤسسة عندما تتقدم العلاقات الشخصية أو النفوذ على معايير الكفاءة والاستحقاق. فاختيار مسؤول لمجرد تمتعه بدعم شخصي، دون امتلاكه المؤهلات والخبرات اللازمة، قد يؤدي إلى إضعاف منظومة العمل، وإهدار فرص الكفاءات الحقيقية، وترسيخ ثقافة الولاء للأشخاص بدلًا من الولاء للمؤسسة.
والأخطر من ذلك أن آثار هذا الاختيار لا تتوقف عند رئيس الشركة، بل قد تمتد إلى اختيار القيادات التابعة له، فتتراجع معايير الجدارة، وتصبح العلاقات الشخصية عاملًا مؤثرًا في الترقي وتولي المسؤوليات.
خامسًا: الرئيس الذي جاءت به الظروف : قد تتيح الظروف الاستثنائية أو توقيتات التغيير الفرصة أمام مسؤول لم يكن اسمه مطروحًا بقوة لتولي رئاسة الشركة، ثم يجد نفسه في موقع القيادة نتيجة إنجاز معين أو تغير في ظروف الاختيار. ولا يعني ذلك بالضرورة أن اختياره كان خاطئًا؛ فقد تثبت الأيام أنه يمتلك قدرات قيادية متميزة. لكن الفيصل الحقيقي هو ما يقدمه من أداء، ومدى قدرته على إدارة الشركة وتحقيق أهدافها، وليس الظروف التي قادته إلى المنصب.

عندما تتحول مدة البقاء إلى مشكلة

إن إطالة مدة بقاء رئيس الشركة في منصبه دون تقييم موضوعي ومستقل قد تخلق بيئة إدارية غير صحية، خاصة إذا غابت الضوابط المؤسسية وآليات المساءلة.
ومن أبرز المخاطر التي قد تنشأ عن ذلك ظهور ما يمكن تسميته بـ«الحاشية الإدارية»، وهي مجموعة من المحيطين برئيس الشركة الذين قد يتحول دورهم تدريجيًا من تقديم المشورة المهنية إلى التأثير في القرارات وتوجيهها لخدمة مصالحهم أو مصالح دوائرهم المقربة. ويزداد هذا الخطر عندما يفتقر رئيس الشركة إلى الحسم أو القدرة على إدارة فريقه بصورة مؤسسية.
كذلك قد تتشكل داخل الشركة مجموعات مغلقة أو ما يُعرف بالشللية، بحيث تصبح العلاقات الشخصية والصداقة معيارًا للتقارب والترقي وتولي المناصب، بدلًا من الكفاءة والخبرة والإنجاز. وهنا تتراجع فرص أصحاب القدرات الحقيقية، وتضعف روح المنافسة الإيجابية، وقد يفقد العاملون الثقة في عدالة منظومة الاختيار والتقييم.
ومن التحديات الأخرى تضارب المصالح والمبالغة في تفضيل الأقارب أو المقربين عند التعيين أو إسناد المسؤوليات. وإذا غابت قواعد الإفصاح والرقابة، فقد تتحول الشركة تدريجيًا إلى دائرة مغلقة تحكمها العلاقات العائلية والشخصية، بدلًا من أن تكون مؤسسة تقوم على الكفاءة وتكافؤ الفرص.
وهذه الممارسات، متى وجدت، لا تضر العاملين وحدهم، بل تنعكس على أداء الشركة وقدرتها على الابتكار والتطوير، وعلى كفاءة استخدام الموارد، وجودة القرارات، وفي النهاية على مصالح قطاع البترول بأكمله.

كلمة أخيرة

إن تحديد مدة رئاسة شركات قطاع البترول بثلاث سنوات كحد أقصى، إذا تأكد إقراره وتطبيقه وفق قواعد واضحة، يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تجديد الدماء وتحسين الأداء وتعزيز الحوكمة داخل القطاع. لكن القيمة الحقيقية لهذا التوجه لن تتحقق بمجرد تغيير الأشخاص أو تحديد مدد بقائهم في مناصبهم، بل ستتحقق عندما يصبح اختيار رئيس الشركة قائمًا على الكفاءة، واستمراره مرتبطًا بالإنجاز، وتقييمه خاضعًا لمعايير موضوعية، ومحاسبته جزءًا أصيلًا من منظومة الإدارة.
فقطاع البترول يمتلك من الخبرات والكفاءات الوطنية ما يؤهله لتحقيق المزيد من التطوير والنجاح، وما يحتاج إليه هو إتاحة الفرصة أمام هذه الكفاءات وفق معايير عادلة وشفافة، بعيدًا عن الشللية والمجاملات وتضارب المصالح.
إن المؤسسات القوية لا تُبنى على الأشخاص، بل على الأنظمة، ولا تستمر بالولاءات الشخصية، بل بالكفاءة والحوكمة والمساءلة. ورئيس الشركة الناجح ليس من يبقى أطول فترة ممكنة في منصبه، وإنما من يترك وراءه شركة أقوى، وقيادات أكثر كفاءة، ومنظومة عمل قادرة على مواصلة النجاح بعد رحيله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *