19 أغسطس، 2026
البترول

النائب محمد الحداد يكتب: حين يصبح النقد انتقائياً.. « الغاز» بين حسابات ورقية وقطاع يعمل على مدار 24 ساعة

قراءة في أطروحات « الطاقة».. ولماذا لا تكفى معادلة حسابية نظرية للحكم على قطاع البترول والغاز في مصر؟

حين يتحدث غير المتخصص عن صناعة لا يعرف تعقيداتها

في كل نقاش جاد حول قطاع البترول والطاقة، يظل النقد حقاً أصيلاً ومشروعاً، بل وضرورة لتحسين الأداء وتصحيح المسار. لكن ممارسة هذا الحق تفترض أولاً احترام طبيعة التخصص، والتمييز بين إبداء الرأي الاقتصادى العام وبين إصدار أحكام فنية على صناعة شديدة التعقيد.
المشكلة ليست في أن يتحدث الاقتصادى عن البترول، فهذا أمر طبيعي ومطلوب، فالبترول في النهاية صناعة واقتصاد واستثمار وتمويل وأسواق. حيث تبدأ المشكلة تبدأ عندما تتحول القراءة الاقتصادية المجردة إلى أحكام قطعية في مسائل فنية وجيولوجية وهندسية وتشغيلية، دون أن يكون صاحبها قد إمتلك الأدوات العلمية التي تمكنه من فهم هذه التفاصيل.

فصناعة البترول والغاز ليست جدولاً من الأرقام يمكن وضعه أمام آلة حاسبة ثم الخروج منه بحكم نهائى.
الإنتاج ليس مجرد رقم، والاحتياطي ليس مجرد رقم، والبئر ليست مجرد رقم، والاستكشاف ليس بالضرورة إنتاجاً، والإنتاج ليس بالضرورة إنتاجاً مستداماً، والاستيراد ليس بالضرورة دليلاً على فشل الإنتاج المحلي.

كل رقم في هذه الصناعة تقف خلفه منظومة كاملة من العمليات الفنية والاستثمارات والمخاطر.

قبل أن يصل برميل البترول أو قدم الغاز إلى المستهلك، هناك جيولوجيا وجيوفيزياء ومسوح سيزمية، ثم تحديد للأهداف الاستكشافية، وحفر للآبار، وتقييم للمكامن، واختبارات للإنتاج، ودراسات للمردود الإقتصادى ، ثم تنمية للحقول، وإنشاء للتسهيلات، وربط بشبكات النقل والمعالجة، وأخيراً تشغيل وصيانة مستمرة.

👈وهنا يصبح من المشروع أن نسأل:
هل تكفي قراءة إقتصادية مجردة للحكم على نتيجة عملية إستكشافية قد تكون تكلفت ملايين الدولارات قبل أن يتأكد وجود مكمن إقتصادى قابل للإنتاج؟
وهل يمكن أن ننظر إلى بئر تم حفرها على عمق آلاف الأقدام باعتبارها مجرد «رقم» في كشف حساب؟
وهل يمكن لمن لا يعرف الفرق بين المسح السيزمى والدراسات الجيوفيزيقية والحفر الاستكشافى وتقييم المكمن وتنمية الحقل والإنتاج التجارى أن يصدر حكماً فنياً قاطعاً على أداء قطاع كامل؟
المسألة هنا ليست تقليلاً من شأن أي تخصص، وإنما إحترام للتخصصات.

فكما لا يمكن لمهندس بترول أن يتحدث بثقة مطلقة في السياسة النقدية أو إدارة سعر الصرف دون دراسة متخصصة، كذلك لا ينبغي أن يتحول التحليل الاقتصادى إلى بديل عن الخبرة الفنية عندما يكون الحديث عن جيولوجيا المكامن ( الخزانات ) ، أو سلوك الآبار، أو معدلات التناقص الطبيعي، أو تقنيات الحفر، أو الإنتاج من المياه العميقة، أو إقتصاديات تطوير الحقول.

الاقتصاد يستطيع أن يقرأ تكلفة المشروع وعائده، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرك لماذا انخفض معدل إنتاج بئر، أو لماذا تغير مسار الحفر، أو لماذا لم يتحول اكتشاف جيولوجى إلى إنتاج تجارى، أو لماذا تحتاج بعض الحقول إلى عمليات رفع اصطناعى أو إعادة إكمال أو حفر آبار إضافية.
👈هذه أمور تحتاج إلى أهل الاختصاص.

والأخطر من ذلك هو بناء إستنتاجات كبيرة على معادلات حسابية صحيحة في حد ذاتها، ولكنها لا تمثل كل متغيرات الواقع.
قد تقول مثلاً: لدينا إنتاج محلي معين، واستهلاك محلى معين، إذن الفارق هو كمية الاستيراد المطلوبة.
الحساب هنا قد يكون صحيحاً.
لكن الاقتصاد الحقيقى لسوق الغاز لا يتوقف عند هذه المعادلة.
هناك موسمية في الطلب، ومعدلات تناقص للحقول، وآبار جديدة تدخل الإنتاج، وإنتاج يختلف من حقل إلى آخر، وقدرات معالجة ونقل، وتعاقدات، ومخزونات، واحتياجات لمحطات الكهرباء، واستهلاك صناعى، وأسعار عالمية، وإمدادات إقليمية، وقدرات إعادة تغييز وإسالة.
ولهذا فإن صحة الحساب الرياضى لا تعني بالضرورة صحة الاستنتاج البترولى.

👈وهنا تحديداً يجب أن يكون النقد موجهاً إلى كل من يتناول قطاع البترول والغاز دون دراية كافية بطبيعته الفنية.

ليس المطلوب أن يكون كل من يكتب عن البترول مهندس بترول أو جيولوجياً، ولكن المطلوب على الأقل أن يعرف حدود تخصصه، وأن يستعين بأهل الخبرة عندما ينتقل من التحليل الإقتصادى إلى الاستنتاج الفنى.

فإذا كان الحديث عن الاقتصاد، فليكن الحديث إقتصادياً.
وإذا كان الحديث عن الجيولوجيا والاستكشاف والحفر والإنتاج، فهنا يجب الاستماع إلى الجيولوجي والمهندس والمتخصص الذي أمضى سنوات في الحقول والمنصات ومواقع الحفر والإنتاج.

فليس كل من قرأ أرقام الإنتاج أصبح خبيراً في صناعة البترول، كما أن إمتلاك القدرة على إجراء عملية حسابية لا يمنح صاحبها بالضرورة القدرة على تفسير ما وراء الرقم.
والأمر لا يتعلق فقط بالخبرة الأكاديمية، وإنما بالخبرة العملية أيضاً.

فمن يعمل في قطاع البترول يعرف أن هناك فرقاً كبيراً بين قراءة تقرير عن بئر وبين الوقوف أمام منصة حفر ومتابعة عملياتها، وبين قراءة رقم إنتاج يومي وبين التعامل مع بئر يتغير ضغطها ومعدل إنتاجها وخصائص سوائلها، وبين الحديث عن حقل على الورق وبين إدارة عمليات تشغيل وصيانة وإنتاج في بيئة صحراوية أو بحرية على مدار 24 ساعة.

وهنا يجب أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم مهم غاب كثيراً عن الخطاب العام ألا وهو ( أعرف حدود معرفتى ) فليس عيباً أن يقول الإنسان: لا أدري.ولكن العيب أن يتحدث بثقة في أمر لا يملك أدوات معرفته، ثم يبني على هذا الحديث أحكاماً قاطعة تمس قطاعاً إستراتيجياً يمس أمن الطاقة والاقتصاد الوطني(الأمن القومى المصرى).

وقد عبر التراث العلمي عن ذلك بوضوح في العبارة الشهيرة المنسوبة إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز: ( من قال لا أدري فقد أحرز نصف العلم)، واشتهر عن الإمام مالك قوله (من قال لا أدري فقد أفتى )
وهذه ليست دعوة إلى الصمت أو احتكار الحديث في الشأن العام.
على العكس، النقد مطلوب، والأسئلة الصعبة مطلوبة، ومحاسبة المسؤولين على النتائج والتكلفة والكفاءة حق أصيل للمجتمع.
لكن النقد شيء، وإصدار أحكام فنية دون امتلاك المعرفة الفنية شيء آخر تماماً.

وقطاع البترول تحديداً لا يحتمل التبسيط المخل.
لأن وراء كل رقم قصة جيولوجية وفنية واستثمارية وتشغيلية.
وراء كل بئر مخاطرة.
وراء كل اكتشاف إحتمالات.
وراء كل زيادة في الإنتاج برنامج حفر وتنمية واستثمارات.
وراء كل انخفاض في الإنتاج أسباب فنية واقتصادية يجب تحليلها.
وراء كل قدم مكعب من الغاز يصل إلى محطة كهرباء أو مصنع شبكة كاملة من البشر والمنشآت والتكنولوجيا والعمل المتواصل.
ومن هنا، فإن إحترام قطاع البترول لا يعني إعفاءه من النقد، وإنما يعني أن يكون النقد في مستوى تعقيد القطاع نفسه لاسيما وهو أحد دعائم الأمن القومى المصرى فلكل كلمة حساب وتوزن بميزان الذهب قبل أن تنطق بها الأفواه.

نريد نقداً لا مجاملة فيه، ومساءلة لا تهاون فيها، وأرقاماً لا انتقائية فيها.لكننا في الوقت نفسه نريد نقداً يعرف الفرق بين ما هو رقم، وما هو مؤشر، وما هو إستنتاج، وما هو حقيقة فنية.

أما أن تتحول صناعة تمتد من أعماق الأرض إلى عرض البحر، ومن المسح السيزمي إلى الحفر والإنتاج والمعالجة والنقل، إلى مجرد معادلة حسابية على ورقة، فهذه ليست قراءة إقتصادية متعمقة؛ وإنما تبسيط مخل لصناعة لا يمكن فهمها من خارج سياقها الفني.

والمشهد الحالى يحتاج الى قراءة أكثر هدوءً وموضوعية لما يجرى في قطاع البترول المصري، قراءة لا تنكر التحديات، ولا تبيع أوهاماً عن إختفاء التحديات، لكنها في الوقت نفسه لا تختزل قطاعاً بحجم قطاع البترول في مجموعة من الأرقام المنتقاة أو المعادلات الحسابية المنفصلة عن سياقها.

📍تعبيرات الترند تتغافل عن قطاع يعمل على مدار 24 ساعة
فالقول إن «وزارة البترول أصبحت وزارة مشتريات وبروباجندا» قد يكون تعبيراً إعلامياً جذاباً، لكنه لا يعكس حقيقة قطاع يعمل على مدار الساعة، ويضم مئات الالاف من المهندسين والفنيين والعمال والشركات وفرق الحفر والإنتاج والصيانة والتشغيل، في الصحراء والبحر والمعامل والموانئ ومحطات المعالجة وشبكات النقل، بهدف واحد فى النهاية.. تأمين إحتياجات مصر من الطاقة ( الأمن القومى المصرى).

📍تأمين الغاز يجنبنا خسائر وأضرار للإقتصاد
من أكثر النقاط التي تحتاج إلى إعادة نظر التعامل مع الغاز المستورد بإعتباره دليلاًعلى إخفاق الإنتاج المحلى.

والحقيقة خلاف ذلك
الغاز الذي يتم إستيراده، إلى جانب الإنتاج المحلي والإنتاج الإضافى الذى يتحقق من خلال جهود شركات القطاع وتحفيز الشركاء، يدخل في منظومة واحدة لتأمين إحتياجات قطاعات الكهرباء والمصانع وصناعات الأسمدة والبتروكيماويات والمرافق الحيوية، خصوصاً خلال فترات إرتفاع الطلب فى فصل الصيف .

📍والسؤال الصحيح هنا ليس: هل نستورد الغاز أم ننتج الغاز؟
بل: كيف نضمن توافر الغاز في كل وقت حيث أن :

• توفير الغاز وتأمين احتياجات المصانع يضمن عدم إلحاق أية أضرار بالإنتاج القومى أو الصادرات ودخل الدولة من التصدير أو التأثير على القطاع الزراعى والمحاصيل بسبب تأثر مصانع الأسمدة .
• إنتظام التيار الكهربائى لتحقيق الإستقرار والوفاء بإلتزام الدولة أمام المواطن وتحقيق الإزدهار لقطاعات الصناعة والسياحة وغيرها .
• الطاقة المستهلكة في المصانع يتم تعظيم القيمة والعائد منها عندما تتحول إلى منتجات وصناعات أعلى قيمة مثل صناعة البتروكيماويات التي تنتج خامات مرتفعة الثمن تدخل فى صناعات أخرى أو يتم تصديرها بعائد دولارى كبير

والواقع أن استقرار إمدادات الكهرباء خلال العامين الماضيين، وعدم تكرار السيناريوهات التي شهدتها بعض القطاعات الصناعية من نقص إمدادات الغاز في عام 2023، لا يمكن فصله عن منظومة متكاملة لإدارة الإنتاج المحلي والإستيراد وشبكات النقل والتوزيع والبنية التحتية.

جهد عشرات الآلاف من العاملين في الصحراء والمناطق البعيدة وراء إستقرار الطاقة لمصر

📍كرجل نقابى قبل أن أكون ممثلا للشعب تحت قبة البرلمان هناك جانب آخر لا يظهر في جداول الإنتاج والإستيراد حيث أنه خلف كل قدم مكعب من الغاز تمت إضافته إلى الشبكة، هناك مهندس وفنى وعامل وفرق حفر وصيانة وتشغيل يعملون فى ظروف ليست سهلة، سواء فى الحقول البرية أو البحرية.وهؤلاء لا يعملون من خلف مكاتب مكيفة، ولا يعرفون «الترند» اليومي على مواقع التواصل.إنهم يعملون لكى يستمر الإنتاج، ولكى يتم حفر بئر جديدة، وربط إكتشاف بالإنتاج، وإصلاح تسهيل، وتشغيل محطة، وتأمين شبكة وكل ذلك تحت ادارة واعية لتأمين بيئة العمل .

👈ولهذا فإن تقييم قطاع البترول يجب ألا يكون فقط من خلال ما يكتبه مقال، وإنما أيضاً من خلال ما يحدث فعلياً على الأرض.

آبار يتم حفرها، وإكتشافات تتحقق، وحقول جديدة تدخل على الإنتاج، وإنتاج يتم تعويض تراجعه الطبيعى، وإستثمارات يتم جذبها، وبنية تحتية يتم تشغيلها وتطويرها.

📍سداد مستحقات الشركاء .. ما أهميته ؟
من غير المنطقي أيضاً تقديم سداد مستحقات الشركاء وكأنه مجرد إجراء مالىلا علاقة له بالإنتاج.
ولا أحد فى الوزارة يقول أن سداد المستحقات يعنى أن جميع تحديات قطاع الغاز إختفت.
لكن الحقيقة الإقتصادية الواضحة أن إستعادة الثقة مع الشركاء تمثل عنصراً مهماً في قدرة القطاع على جذب الإستثمارات وتسريع برامج الحفر والإستكشاف والتنمية.
بمعنى آخر، سداد المستحقات ليس نهاية الطريق، وإنما أحد شروط فتح الطريق أمام مزيد من الإستثمار والإنتاج.
ومن ثم فإن تقييم الخطوة يجب أن يرتبط بما يمكن أن تنتجه لاحقاً من نشاط إستثماري وحفر وتنمية، وليس فقط بحجم الأموال التى تم سدادها.

📍وصف إنتاج الغاز بأنه فى «سقوط حر» تعبير استعراضى ويحتاج إلى قدر أكبر من الدقة عندما يستخدم لتوصيف مستقبل قطاع كامل.

الإنتاج في الحقول القديمة يتعرض بطبيعته لمعدلات تناقص، وهذه حقيقة فنية معروفة في صناعة البترول والغاز.

لكن المعادلة لا تنتهى هنا.

هناك حفر جديد، وإستكشافات، وإكتشافات يتم تقييمها وتنميتها، وآبار يتم ربطها بالإنتاج، وبرامج تستهدف تعويض التناقص الطبيعى للحقول القائمة.

والهدف ليس الإدعاء بأن الإنتاج إرتفع لمجرد الرغبة في تقديم صورة إيجابية ( بروباجندا)، وإنما إيقاف منحنى التراجع ثم إستعادة النمو تدريجياً.

📍وهنا تحديداً، فإن أى تحليل إقتصادي جاد يجب أن يسأل: ماذا كان سيحدث لو إستمر منحنى إنخفاض الإنتاج بالمعدلات نفسها دون تدخل؟

هذا السؤال أكثر أهمية من مجرد وصف الوضع الحالى.

شرق المتوسط.. منافس أم فرصة؟

ربما تكون واحدة من أكثر النقاط التي تحتاج إلى إعادة تقييم هى النظر إلى غاز شرق المتوسط بإعتباره منافساً للغاز المصرى.

مصر تمتلك بنية تحتية متقدمة للغاز، وسوقاً محلية كبيرة، ومرافق للمعالجة والإسالة، وموقعاً جغرافياً مميزاً.

وبالتالي فإن وصول غاز من حقول شرق المتوسط إلى البنية التحتية المصرية لا يعني ببساطة ” واردات”

👈بل يمكن أن يعنى تعظيم إستخدام أصول قائمة، وزيادة معدلات تشغيل البنية التحتية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمى لتجميع ومعالجة وإسالة وتداول الغاز.

وهنا يصبح الغاز القبرصي تحديداً جزءاً من معادلة إستراتيجية أوسع من مجرد شراء شحنة غاز.

👈فالقيمة لا تكمن فقط فى الغاز ذاته، وإنما في الموقع والبنية التحتية والسوق والخبرات وقدرات المعالجة والإسالة. وهذه ميزة لا تملكها كل دول المنطقة.

📍هل التدفقات الإقليمية تضع «سقفاً قسرياً» للإنتاج المصرى؟

مصطلح “ FORCED CAP “يبدو حاسماً للغاية، لكنه في الحقيقة يقوم على مجموعة من الإفتراضات التي يمكن أن تتغير.

نقطة التوازن في سوق الغاز ليست رقماً ثابتاً.

إنها تتحرك وفقاً لعوامل كثيرة، من بينها:

* حجم الطلب المحلى.
* معدلات النمو الصناعى.
* إحتياجات قطاع الكهرباء.
* التوسع في الأسمدة والبتروكيماويات.
* الاكتشافات الجديدة.
* مستويات الأسعار.
* كفاءة البنية التحتية.
* قدرات المعالجة والإسالة.
* التدفقات الإقليمية.
* فرص التصدير.
* الإستثمارات الجديدة.

ومن ثم، فإن القول إن وجود غاز تستقبله مصر من حقول شرق المتوسط سيضع تلقائياً «سقفًاً» للإنتاج المصري يتجاهل أن حجم السوق نفسه ليس ثابتاً.

فمصر ليست سوقاً صغيرة تبحث عن منفذ لتصريف فائض غاز.

إنها اقتصاد كبير للذى لا يعلم حجم مصر، ولديه إحتياجات متنامية من الكهرباء والصناعة والأسمدة والبتروكيماويات ومشروعات القيمة المضافة.

10 -6.1 = 3.9 حسابياً نعم، لكن ماذا بعد؟

قد تكون المعادلة الحسابية صحيحة نظرياً.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول صحة الحساب إلى صحة الإستنتاج الاقتصادى.

ميزان الغاز لا يعمل بهذه البساطة.

فالفارق بين الإنتاج والاستهلاك لا يمكن قراءته بمعزل عن الموسمية، وقدرات النقل والمعالجة، ومعدلات الإنتاج الفعلية، ومستويات الطلب، والتعاقدات، والمخزون، وقدرات الإسالة، والاحتياجات اليومية لمحطات الكهرباء والصناعة.

ولهذا فإن الرقم وحده لا يحكي القصة.

الأرقام تصبح ذات معنى عندما توضع داخل النموذج الاقتصادى والتشغيلى الذي أنتجها.

👈هناك مشكلة أكبر في بعض القراءات التي تطرح مستقبل الغاز بطريقة تبدو فيها الدولة خاسرة في جميع الإحتمالات.

إذا إرتفع الإنتاج، فهناك مشكلة لأن الإستيراد قد يصبح غير ضروري.

وإذا انخفض الإنتاج، فهناك مشكلة لأن الإستيراد سيرتفع.

وإذا جاءت تدفقات إقليمية، فهي مشكلة.

وإذا لم تأتِ، فهي مشكلة.

👈هذه ليست طريقة متوازنة لقراءة الإقتصاد.

👈التحليل الموضوعي يفترض أن هناك سيناريوهات وبدائل وتكاليف وفرصاً، وليس أن كل طريق يمكن أن تسلكه الدولة ينتهى بالضرورة إلى أزمة.

👈فالسياسة الإقتصادية الرشيدة لا تبحث عن سيناريو مثالى لا يتغير فيه الطلب ولا الإنتاج ولا الأسعار، وإنما تبنى قدراً من المرونة يسمح لها بالتعامل مع المتغيرات.

زيادة الإنتاج المحلي لا تفقد قيمتها بسبب الاستيراد

من أكثر الاستنتاجات التي تستحق التوقف أمامها القول أن زيادة الإنتاج المحلى قد تصبح بلا قيمة فى ظل وجود واردات.

وهذا إستنتاج يصعب الدفاع عنه إقتصادياً بهذه الصورة المطلقة.

زيادة الإنتاج المحلي تعني، قبل أى شيء، تعزيز أمن الطاقة وتقليل المخاطر وزيادة المرونة.

أما وجود واردات في وقت معين فلا يلغي قيمة الإنتاج المحلي.

👈بل إن إمتلاك أكثر من مصدر للإمداد قد يكون فى حد ذاته عنصر قوة.

والدولة لا يفترض أن تتعامل مع الإنتاج المحلي والاستيراد بإعتبارهما طرفين متناقضين دائماً، وإنما بإعتبارهما أداتين ضمن منظومة أوسع لتأمين إحتياجات السوق.

📍ماذا لو تحولت زيادة الغاز إلى زيادة في النشاط الصناعي؟

هذه ربما هي الزاوية التي تغيب عن بعض التحليلات.

الغاز ليس فقط منتجاً يجب إنتاجه ثم البحث عن طريقة لتصريفه.

إنه مدخل إنتاج.

وعندما تتوافر الإمدادات، يمكن أن تتوسع الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة، وتزيد إستثمارات الأسمدة والبتروكيماويات، وتنشأ مشروعات جديدة للقيمة المضافة.

وبالتالي فإن زيادة المعروض من الغاز يمكن أن تتحول من «مشكلة فائض» إلى فرصة للنمو الصناعى إذا تزامنت مع سياسات إستثمارية وصناعية مناسبة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقى:

هل نريد النظر إلى الغاز بإعتباره سلعة نبحث عن مشترٍ لها، أم بإعتباره أحد مدخلات بناء إقتصاد صناعي أكثر عمقاً؟

📍الأخبار ليست أسرع من الأرقام

القول إن الوزارة «تدير الأخبار أسرع من الأرقام» هو حكم يحتاج بدوره إلى إختبار.

فالنتائج لا تقاس فقط بعدد البيانات الصحفية.

النتائج تقاس بما يتم على الأرض:

آبار تم حفرها، إكتشافات تحققت، إكتشافات تم ربطها بالإنتاج، إنتاج جديد تمت إضافته، برامج إستكشاف وتنمية، إستثمارات، وشراكات، وبنية تحتية تعمل بكفاءة.

والحكم العادل يجب أن يضع هذه العناصر جميعاً في الميزان.

لا أن يأخذ رقماً واحداً ويترك باقى المعادلة.

النقد مطلوب.. لكن الموضوعية أهم

لا أحد يطالب الصحافة أو الخبراء بالتوقف عن النقد.

بل على العكس، قطاع بحجم قطاع البترول يحتاج إلى نقد مهني مستمر، وإلى أسئلة صعبة، وإلى مساءلة عن النتائج والتكلفة والكفاءة.

لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد وبين بناء رواية وهمية تبدأ من نتيجة ثم تبحث عن الأرقام الخاطئة التي تثبتها.

الإقتصاد لا يعمل بهذه الطريقة.

وسوق الغاز تحديداً أكثر تعقيداً من أن تختصره عبارة مثل «أزمة» أو «فائض» أو سقف قسرى.

فالحقيقة الكاملة تشمل في الوقت نفسه: تراجع إنتاج بعض الحقول، وزيادة الإنتاج من آبار أخرى، وبرامج حفر وإستكشاف، واكتشافات جديدة، واستثمارات، وسداد مستحقات للشركاء، وغازاً إقليمياً ، وبنية تحتية مصرية، وطلباً محلياً متزايداً، وإحتياجات كهرباء وصناعة، وفرصًا للتوسع في القيمة المضافة.

وإذا كان هناك واقع يجب أن يُروى، فهو ليس فقط واقع الأرقام الموجودة على الورق.

هناك أيضاً واقع آلاف العاملين الذين يواصلون العمل في الحقول والمنصات والمصانع والموانئ وشبكات الغاز، 24 ساعة فى اليوم، وفي ظروف تشغيلية صعبة، حتى يصل الغاز إلى محطة الكهرباء والمصنع والمرفق الحيوي.

هذه ليست بروباجندا.

وهذه ليست محاولة لإنكار التحديات.

إنها ببساطة الجزء الآخر من الحقيقة.

والحقيقة الكاملة هي وحدها التي تسمح بحكم عادل على قطاع لا يحتمل التبسيط، ولا يستفيد من التهويل، ولا يحتاج إلى تجميل.

النقد مطلوب.. لكن عندما يتعلق الأمر بأمن الطاقة واقتصاد دولة ( الأمن القومى المصرى)، فإن الدقة ليست رفاهية إعلامية، والموضوعية ليست مجاملة لأحد. إنها شرط لصحة الحكم نفسه.

وفى الختام تحية واجبة وشكر وتقدير لكافة العاملين بقطاع البترول المصرى والقائمين عليه وفى مقدمتهم المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية الذين لا يألون جهداً لخدمة المواطن المصرى وتلبية إحتياجاته من الوقود والطاقة.

تحيا مصر دائما وابدأ بقيادتها وشعبها
….
كاتب المقال: النائب محمد الحداد
عضو مجلس النواب
أمين سر لجنة الطاقة والبيئة
أمين عمال الجمهورية بحزب حماة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *