تقرير يكتبه : أحمد سلام
تحتفل مصر والصين هذا العام بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهي واحدة من أقدم وأهم العلاقات العربية الصينية وأكثرها استقرارًا وتطورًا. فعلى مدار سبعة عقود، لم تتوقف العلاقات المصرية الصينية عند حدود التعاون السياسي أو الاقتصادي، بل نجحت في بناء نموذج متكامل من التفاهم الحضاري والشراكة الإنسانية التي تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والسعي إلى التنمية المشتركة.
ورغم أهمية المشروعات الاقتصادية الكبرى والتعاون السياسي بين البلدين، فإن التجربة أثبتت أن العلاقات الدولية لا تُبنى فقط عبر الاتفاقيات والاستثمارات، وإنما تحتاج دائمًا إلى قوة ناعمة حقيقية تحميها وتعزز استمراريتها.
لذا فإن الثقافة والفكر والترجمة والإعلام والحوار الحضاري تظل هي الجسور الأعمق والأكثر قدرة على تقريب الشعوب وبناء الثقة طويلة المدى ، ومن هنا، برزت أهمية النماذج الثقافية والفكرية المؤثرة التي لعبت دورًا حقيقيًا في تعميق العلاقات المصرية الصينية، وفي مقدمتها بيت الحكمة التي أسسها الدكتور أحمد السعيد، وقد نجح عبر مشروعه الثقافي والفكري في تحويل الترجمة والمعرفة إلى أحد أهم مسارات التقارب بين العالم العربي والصين.
فمن خلال بيت الحكمة، التي تأسست عام 2011، انطلق مشروع ثقافي طموح يستهدف بناء جسر معرفي وإنساني بين الحضارتين العربية والصينية، عبر الترجمة والنشر وتنظيم الندوات والمؤتمرات والفعاليات الفكرية والثقافية، بما يسهم في تقديم صورة أعمق وأكثر توازنًا عن الصين الحديثة داخل العالم العربي.
وخلال سنوات قليلة، تحولت بيت الحكمة إلى واحدة من أبرز المؤسسات العربية الثقافية المتخصصة في الشأن الصيني، حيث قدمت مئات الكتب المترجمة من الصينية إلى العربية في مجالات الفكر والسياسة والأدب والتنمية واللغة والثقافة، إلى جانب مساهمتها في خلق حالة من الحوار الفكري المتبادل بين الباحثين والمثقفين من الجانبين.
وفي هذا السياق، جاءت الفعاليات الخاصة بتدشين وحدة دراسات فكر شي جين بينغ الدبلوماسي بمركز التحرير للدراسات، وإطلاق النسخة العربية من مجلة «العالم المعاصر»، لتؤكد أن العلاقات المصرية الصينية دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها المعرفة والتفاعل الحضاري والتبادل الفكري العميق. وقد شرفت بالمشاركة في هذه الفعالية المهمة، كما شاركت على هامشها في المائدة المستديرة رفيعة المستوى التي أدارها الدكتور أحمد السعيد، والتي تناولت تطور العلاقات المصرية الصينية عبر العقود، إلى جانب مناقشة مجلدات الرئيس شي جين بينغ حول «الحوكمة والإدارة»، وما تتضمنه من أفكار ورؤى تتعلق بالتنمية وإدارة الدولة والعلاقات الدولية وبناء مجتمع المصير المشترك للبشرية، في إطار حوار فكري عكس عمق الاهتمام العربي المتزايد بفهم التجربة الصينية الحديثة من مصادرها الأصلية.
وقد عُقد المنتدى في القاهرة بحضور رفيع المستوى ضم السيد ليو هاي شينغ، والدكتور عصام شرف، والسفير لياو لي تشيانغ، والوزير محمد العرابي، والأستاذ عماد الأزرق، والسفير علي الحفني، والدكتور ناصر عبد العال، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والإعلاميين والمهتمين بالعلاقات العربية الصينية.
وفي كلمته خلال المنتدى، أكد الدكتور أحمد السعيد أن العلاقات المصرية الصينية «لم تعد قائمة فقط على المصالح السياسية والاقتصادية، ولكنها أصبحت نموذجًا عالميًا فريدًا استطاع عبر العقود أن يبني مساحة واسعة من الثقة والتفاهم الحضاري والاحترام المتبادل».
وأضاف أن العالم العربي أصبح في حاجة إلى قراءة أكثر عمقًا للتجربة الصينية الحديثة بعيدًا عن الصور النمطية أو التناول السريع، مشيرًا إلى أن إطلاق هذا المشروع الفكري من القاهرة يحمل دلالات ثقافية وحضارية بالغة الأهمية.
ومن اللافت أن تدشين وحدة دراسات فكر شي جين بينغ الدبلوماسي، وإطلاق النسخة العربية من مجلة «العالم المعاصر»، من القاهرة، عاصمة الفكر والثقافة العربية، وهو ما يعكس إدراكًا صينيًا لمكانة مصر الثقافية ودورها المحوري في تشكيل الوعي العربي. فالقاهرة كانت دائمًا مركزًا للإشعاع الفكري والصحافي والثقافي في العالم العربي، ومنها خرجت كبرى مشروعات التنوير والمعرفة، ولذلك فإن انطلاق هذا الحوار الحضاري من قلب القاهرة يحمل رسالة واضحة بأن العلاقات المصرية الصينية تجاوزت مرحلة المصالح التقليدية إلى بناء شراكة ثقافية ومعرفية عميقة.
ومن هنا، فإن الدور الذي يقوم به بيت الحكمة بقيادة الدكتور أحمد السعيد لا يمثل مجرد نشاط ثقافي تقليدي، بل يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية القوة الناعمة والمعرفة والترجمة في حماية العلاقات الدولية وتعزيز استدامتها.
ويبقى التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة هو تحويل هذا الزخم الثقافي والفكري إلى مشروع حضاري مستدام، يجعل من العلاقات المصرية الصينية نموذجًا متقدمًا للتفاعل المعرفي بين شعوب الجنوب العالمي، ويؤكد أن الحضارات الكبرى تستطيع أن تتحاور وتتعاون دون أن يفقد أي طرف خصوصيته أو استقلاله الفكري والثقافي.
…
أحمد سلام عضو المجلس المصري للشئون الخارجية
*عضو جمعية الصداقة المصرية الصينية
*المستشار الاعلامي الاسبق بسفارة مصر ببكين

