حين تشتعل المنطقة، لا يكون السؤال: من يملك السلاح الاكثر؟
بل: من يملك الحكمة التي تمنع السلاح من ان يتحول إلى حريق لا يبقي ولا يذر؟
وهنا تحديدا تظهر قيمة مصر.
مصر ليست دولة مراهقة سياسيا، تنجرف وراء صخب اللحظة، ولا وطنا يضع جيشه وشعبه في مهب صراعات يصعب معرفة نهاياتها. مصر دولة تعرف ان الحرب قرار، لكن ثمنها حياة، وان دماء الجنود ليست ورقة في حسابات الآخرين، وان الشعوب لا ينبغي ان تدفع ثمن صراعات لم تخترها.
وما جرى في الحرب الايرانية الصهيوامريكية يجب ان يكون درسا لكل المنطقة: الاعتماد الكامل على قوة خارجية لحماية الامن الوطني ليس ضمانة مطلقة، وقد تتحول اراضي الحلفاء ومصالحهم، بحكم تموضع القوات والقواعد والمصالح العسكرية، إلى جزء من مسرح المواجهة. وقد دفعت دول خليجية بالفعل ثمنا لهذا التشابك خلال التصعيد الاخير، بينما تصاعدت الدعوات داخل المنطقة إلى تنويع شراكاتها الدفاعية وعدم الارتهان لضامن خارجي واحد.
وهنا لا ينبغي ان نقرأ التجربة بمنطق العداء لامريكا او الانحياز لايران؛ فمصر ليست مطالبة بأن تكون طرفا في صراع الآخرين.
مصر مطالبة بأن تكون صاحبة قرارها.
وهذا هو الفارق بين الدولة التي تبحث عن حليف يحارب عنها، والدولة التي تبني قوتها بحيث لا يملك الآخرون قرار اشعال الحرب فوق ارضها.
ومن هنا تأتي المسئولية المصرية تجاه اشقائها.
فمصر، بما تملكه من ثقل عربي، وموقع استراتيجي، وجيش قوي، وعلاقات مفتوحة مع مختلف الاطراف، تستطيع ان تقول لاشقائها: لا تجعلوا امنكم رهينة لحرب لا تملكون قرارها، ولا تسمحوا بأن تتحول ارضكم إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى.
ليس المطلوب ان يختار العرب بين ايران وامريكا واسرائيل.
المطلوب ان يختاروا امنهم الوطني، وسيادتهم، ومصالح شعوبهم، ومنطق الحوار قبل منطق النار.
وهنا تستطيع مصر ان تجمع لا ان تفرق، وان تتحدث مع الجميع، وان تفتح ابوابا اغلقها التصعيد، وان تدفع نحو ترتيبات اقليمية تمنع اتساع الحرب.
وهذا ليس موقفا مثاليا منفصلا عن الواقع؛ فمصر تحركت دبلوماسيا بالفعل باتجاه خفض التصعيد، وتواصلت مع ايران والولايات المتحدة وقطر وتركيا وسلطنة عمان، مؤكدة ان الازمات الاقليمية لا حلول عسكرية دائمة لها، وان الحوار والتفاوض هما الطريق إلى الاستقرار.
كما اكدت القاهرة في اجتماع عربي على ضرورة تعزيز منظومة الامن القومي العربي، ورفض المساس بسيادة الدول العربية وامنها، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى تجنب اتساع دائرة المواجهة والعودة إلى المسار الدبلوماسي.
وهنا تحديدا ارى مصر التي احبها.
مصر التي لا تهرب من مسؤوليتها، لكنها لا تندفع إلى مغامرة.
مصر التي تحمي حدودها، وتصون جيشها، وتحفظ شعبها، وفي الوقت نفسه تمد يدها لاشقائها حتى لا يجدوا انفسهم وحدهم في منتصف حريق صنعه غيرهم.
انا احب مصر، ولذلك اريدها قوية لا مستنزفة، حاضرة لا متورطة، مؤثرة لا مستهلكة في صراعات الآخرين.
واثق في قيادتها، مع احتفاظي بحقي الطبيعي في الاختلاف مع بعض الرؤى او تقدير بعض المواقف؛ فهذه سنة الحياة، ولا يعني اختلاف المواطن مع القيادة انه يختلف مع الوطن.
قد نختلف في الطريق، لكننا لا نختلف على مصر.
وقد اختلف في رؤية او قرار، لكنني لا اريد لمصر الا الامن والقوة والاستقرار.
بل ان ثقتي في مصر هي التي تجعلني اتمنى ان تستخدم ثقلها اليوم في لم الشمل العربي، وحماية اشقائها من الانزلاق إلى حرب جديدة، وبناء موقف اقليمي يجعل قرار الحرب والسلام قرارا عربيا مستقلا، لا نتيجة تلقائية لحسابات قوى خارج المنطقة.
فليس المطلوب من مصر ان تحارب نيابة عن احد.
المطلوب ان تساعد اشقاءها على ألا يحاربوا نيابة عن احد.
وليس المطلوب ان تدخل القاهرة كل جبهة.
المطلوب ان تمنع الجبهات من ان تقترب من القاهرة ومن اشقائها.
وهنا تكون القوة المصرية في ان تكون درعا سياسيا قبل ان تكون سيفا عسكريا.
فقد تكون اعظم معركة تخوضها مصر اليوم هي معركة منع الحرب.
وقد يكون اعظم انتصار تحققه هو ان يعود الجندي إلى بيته، وان يبقى الشعب آمنا، وان تبقى الدولة واقفة، وان يفقد من يشعل النار قدرته على جعل المنطقة كلها وقودا لها.
مصر لا تحتاج إلى حرب جديدة لتثبت انها قوية.
يكفيها ان تستخدم قوتها وعقلها وثقلها حتى لا يحتاج اشقاؤها إلى حرب جديدة.
هذه هي مصر التي احبها.
وهذه هي مصر التي اثق في قيادتها.
مصر التي لا تبحث عن مكان في الحرب، لان مكانها الطبيعي اكبر: ان تكون الدولة التي تمنع الحرب من ان تبتلع المنطقة.

