15 أبريل، 2026
مقالات

دكتور حمدي الهراس يكتب: قيادات تُمدَّد.. وكفاءات تُجمَّد.. أين تذهب الفرص داخل المؤسسات؟

قراءة تحليلية في علاقة تأهيل القيادات وتسوية المؤهلات العلمية بتطوير بيئات العمل الحديثة

“الأصل في القيادة ليس البقاء… بل البناء.”

في كل مؤسسةٍ تسعى لتحقيق النجاح الحقيقي والاستدامة، يبرز سؤالٌ لا يمكن تجاهله:
هل نُعد قيادات جديدة… أم نُعيد تدوير القديمة؟

وفي قطاعات حيوية مثل الطاقة والصناعة، حيث تتسارع التحديات وتتعاظم الحاجة إلى كفاءات قادرة على التطوير والتجديد، يصبح هذا التساؤل أكثر إلحاحًا… وأكثر ارتباطًا بمستقبل المؤسسات نفسها.

إن تجديد التعاقد مع بعض القيادات بعد بلوغ سن المعاش، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري عابر، بل هو انعكاس لفلسفة أعمق في إدارة الموارد البشرية.
ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون هذه القيادات قد أسهمت في إعداد صفوف جديدة قادرة على الاستمرار، يبرز تساؤل مشروع:
إلى أي مدى نجحت هذه المنظومة في بناء بدائل حقيقية تضمن استدامة الأداء؟

فالأصل في القيادة ليس البقاء… بل البناء.
ليس الاستمرار في المنصب… بل ضمان استمرارية المؤسسة بعد الرحيل.

وحين يصبح التمديد خيارًا متكررًا، تتقلص—بشكل تلقائي—المساحات المتاحة أمام الكفاءات الصاعدة، ويُطرح تساؤل مهم حول مدى تحقق مبدأ تكافؤ الفرص داخل بيئة العمل.
وقد يُفهم من ذلك—حتى وإن لم يكن مقصودًا—أن معايير إتاحة الفرص ليست دائمًا واضحة أو مرتبطة بالكفاءة وحدها.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد…
بل يتزامن أحيانًا مع واقع آخر يفرض نفسه، يتمثل في وجود كوادر ما زالت على رأس العمل، تمتلك مؤهلات علمية متقدمة—ماجستير، دكتوراه، ودراسات تخصصية—لكنها لا تجد المسار الوظيفي الذي يعكس هذا الاستثمار العلمي، أو يتيح لها الإسهام الحقيقي بما تملكه من معرفة وخبرة.

وهنا يبرز تساؤل أكثر عمقًا:
كيف يمكن تحقيق التوازن بين الحفاظ على الخبرات المتراكمة، وبين تمكين الطاقات القادرة على العطاء داخل المؤسسة؟

لا شك أن الخبرة قيمة لا تُقدّر، وأن الاستفادة منها أمر مطلوب، لكن في المقابل، فإن تجديد الدماء وضخ الكفاءات الجديدة يمثلان ضرورة لا تقل أهمية، خاصة في بيئات عمل تعتمد على التطوير المستمر ومواكبة التغيرات.

ولا يُقصد بذلك التعميم، فهناك نماذج ناجحة ومخلصة أسهمت في بناء كوادر قوية وتركت أثرًا إيجابيًا ممتدًا، لكن الحديث هنا عن ظاهرة تستحق التوقف والتحليل… من أجل تعزيز نقاط القوة ومعالجة مواطن الخلل.

إن تحقيق العدالة الوظيفية لا يقتصر على إتاحة الفرص، بل يمتد ليشمل توجيهها نحو من يستطيع أن يُضيف، وأن يُحدث فارقًا حقيقيًا.
كما أن تحفيز الكفاءات الحالية، والاستفادة من المؤهلات العلمية داخل المؤسسات، يعد استثمارًا مباشرًا في مستقبلها.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تبني مجموعة من التوجهات العملية، من أبرزها:
• ربط قرارات التمديد بمدى نجاح القيادات في إعداد بدائل مؤهلة.
• وضع سياسات واضحة ومرنة للاستفادة من المؤهلات العلمية داخل المؤسسة.
• إتاحة مسارات حقيقية للتطور والترقي أمام الكفاءات الصاعدة.
• تعزيز ثقافة تقوم على تداول الفرص، لا احتكارها.

فالمؤسسات لا تُبنى بالأسماء وحدها… بل بالكفاءات.
ولا تستمر بالخبرة فقط… بل بتكامل الخبرة مع التجديد.

خلاصة القول

إذا أردنا مستقبلًا أكثر قوة واستدامة، فعلينا أن نكون أكثر اتزانًا في قرارات الحاضر، وأكثر حرصًا على تحقيق العدالة داخل مؤسساتنا.

فالفرص حين تُمنح لمن يستحق… تصنع تقدمًا،
وحين تضيق أمامهم… تطرح تساؤلات لا يمكن تجاهلها.

والمؤسسات التي تُحسن إدارة الفرص… هي وحدها القادرة على بناء مستقبلٍ يليق بها.

….

د. حمدي الهراس
✍️ كاتب في تطوير الأداء الإداري والصناعي والإنساني
‏dr.hamdyelharras@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *