5 يونيو، 2026
مقالات

سامح فواز يكتب: إلى من يحمل لقب طبيب ولا يحمل روحه!

أتيت إليكم بطفلتي وهي لم تتجاوز عامين من عمرها تنكوي بنار الحمى وفي عينيها ذلك الذعر الصامت الذي لا يعرفه إلا من رأى طفله مريضا عاجزا عن وصف ألمه بكلمات.

لم أطلب معجزة.. لم أطلب ما يفوق طاقتكم.. طلبت اختبار حساسية بسيطا لا يستغرق سوى دقائق، قبل حقنة لا غنى لطفلتي عنها.

توجهت إلى مستشفى الجمال في عين شمس لانها قريبة من بيتي ودخلت الطوارئ فوجدت الطبيب المنوط بهذا القسم محاطا بمن حوله من سيدات، منشغلا بالضحك والحديث، كأن لا شيء في العالم يستحق الاهتمام.. أبلغته بحاجتي فأجابني بكلمة واحدة لم يكلف نفسه حتى أن ينظر إلي وهو يقولها: “انتظر.”

انتظرت. ربع الساعة مرت وطفلتي في حضني وجبينها يلتهب ثم دخلت حالة طارئة صعبة فانسحب القسم بأكمله إليها وخرج الطبيب من الغرفة.. ناديته، قلت له: إنها حقنة واحدة تحت الجلد، عشر دقائق من المتابعة، ثم نمضي. فكان رده بكل برود وانعدام ضمير: ” انتا شايف عندنا حالية عناية مركزة و اصلا انا نبطشيتي خلصت.”

في تلك اللحظة لم أشعر بالغضب وحده.. شعرت بشيء أثقل من الغضب وأمر من الخيبة.. شعرت بأن الإنسانية في هذا المكان قد غادرت قبله.

غادرت وأنا أدعو الله أن يرى ويسمع.. لم أتصرف باندفاع، بل اتصلت أولا بعيادات في شارع الزهراء التي خي بالمناسبة تتبع لاحد الكنائس، وسألت المسؤول على الهاتف مباشرة: هل لديكم اختبار حساسية؟ فأجابني بالإيجاب دون تردد. عندها فقط، توجهت بطفلتي السخنانة بين يدي إليهم.

وصلت فاستقبلني موظف الاستقبال أبلغته بحاجتي وعرضت الدفع فورا.. فأخبرني أن الاختبار لا يجرى إلا لمن أجرى الكشف عندهم!!!!
موظف إداري لا طبيب، لا ضمير يحاسب، مجرد موظف يطبق لائحة على طفلة مريضة كأنه يرفض طلب استمارة في دائرة حكومية.

هنا بلغ بي الأمر مبلغا يعجز القلم عن وصفه.. الأول تخلى عن مسؤوليته بحجة نبطشية خلصت والثاني أسند رفضه إلى قواعد لم تكتب يوما لهذا الغرض وبين هذا وذاك، طفلة في الثانية من عمرها تنتظر ما لم يجد أحد في قلبه متسعا لمنحه إياها.

أقول لكل من في يده قدرة العلاج ثم يحجبها أو يتذرع دونها باللوائح والأعذار: ما تفعله ليس قصورا مهنيا فحسب، بل خيانة للأمانة التي حملتها، وجريمة بحق كل روح أسلمت إليك ثقتها وهي لا تملك سواك.

وأدعو الله بكل ما في القلب المكسور من يقين، أن يري كل من تقاعس في تلك الليلة ما يعجز اللسان عن وصفه، وأن يجعل المرض يطرق بابه يوما فلا يجد من يفتح كما أوصد الباب في وجه طفلة بريئة لم تذنب يوما.

ربنا يشفي كل مريض ويعين كل أب وأم على ما يحملون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *