21 يوليو، 2026
البترول ثروة معدنية مقالات

المهندس أحمد مختار يكتب: أغلى من الذهب..«الرمال السوداء» 

حبا الله مصر بكنزٍ من كنوز الأرض، يتمثل في الرمال السوداء، التي تُعد واحدة من أهم الثروات المعدنية الواعدة في البلاد.فعلى الرغم من تنوع الثروات الطبيعية بين ما يختزن في باطن الأرض وما تزخر به أعماق البحار، فإن الرمال السوداء تمثل كنزًا استراتيجيًا فريدًا لما تحتويه من معادن اقتصادية ذات قيمة عالية تدخل في العديد من الصناعات المتقدمة.
وتنتشر الرمال السوداء على امتداد السواحل المصرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط بطول يقارن 400كيلومتر، في نحو 11 موقعًا تتميز بتركيزات اقتصادية مرتفعة من المعادن الثقيلة. وتعد هذه الرمال من أهم الموارد الطبيعية التي تمتلكها مصر، حيث تضم مجموعة من المعادن النادرة والاستراتيجية المستخدمة في الصناعات التكنولوجية، والطاقة، والصناعات النووية، والطيران، والإلكترونيات.
وتُقدر الاحتياطيات الجيولوجية للرمال السوداء في مصر بنحو 1.3 مليار متر مكعب، بما يعادل حوالي 288.5 مليون طن من الرواسب المعدنية الثقيلة. وتتركز هذه الاحتياطيات على طول الساحل الشمالي، بدءًا من رشيد غربًا وحتى رفح شرقًا، مرورًا بمحافظات كفر الشيخ، ودمياط، وبورسعيد، والعريش.
ويُعد هذا الاحتياطي أحد أكبر الاحتياطيات من الرمال السوداء في المنطقة، ويشكل ركيزة مهمة لدعم الاقتصاد الوطني وتعظيم القيمة المضافة من خلال استخراج وتصنيع المعادن الاستراتيجية، بما يتماشى مع رؤية مصر لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية.
ويتوزع هذا الاحتياطي على عدد من المواقع الرئيسية على الساحل الشمالي، وفقًا للبيانات وفقا للبيانات الصادرة من المركز المصري للفكر والدرسات الاستيراجية.
تحتوي الرمال السوداء على معادن اقتصادية تدخل في الكثير من الصناعات المهمة، من أبرزها: معدن الزركون الإلمنيت والروتيل الذي يستخدم في صناعة السيراميك، والعوازل، والخزف، والأسنان التعويضية. ومعدن الروتيل والألمنيت الذي يستخدم في صناعة البويات. كذلك يستخرج من معدن الزركون عنصر الزركونيوم الذي يستخدم في صناعة أغلفة الوقود النووي، وفي العديد من الصناعات النووية والاستراتيجية الأخرى، والجرانيت الذي يستخدم في صناعة فلاتر المياه والصنفرة، والماجنتيت الذي يستخدم في صناعة الحديد الإسفنجي وتغليف أنابيب البترول، بالإضافة إلى معدن المونازيت المشع، وهو مصدر إنتاج العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في الصناعات عالية التقنية التي تعتمد أغلبها على الإلكترونيات، ومصدر للحصول على اليورانيوم الذي يصلح كوقود نووي.
وعن محتوى الرمال السوداء من المعادن المشعة، فهي تحتوي على معدن المونازيت والزركون، وبهما نسبة قليلة من العناصر المشعة، مثل الثوريوم واليورانيوم، لذلك سميت بالرمال المشعة، ومعدن المونازيت يوجد به عناصر أرضية نادرة ذات أهمية كبيرة في النواحي الاستراتيجية.
الصناعات التي تدخل فيها الرمال السوداء :
• تستخدم الرمال في المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة، بسبب احتوائها على أكسيد الثوريم.
• تدخل الرمال السوداء في صناعة الحديد والصلب وقضبان السكك الحديدية، وذلك لأنها غنية بأكاسيد الحديد.
• تحتوي على مادة الماجنيت الذي يستخدم في تغليف أنابيب البترول.
• تدخل في صناعة البويات، والبرسلين ، والسيراميك، والخزف، والأسنان، وكذلك في صناعة الوقود النووي.
• تحتوي الرمال على معدن التيتانيوم الذي يستخدم في صناعة هياكل السيارات والطيارات.
• يستخدم اليورانيوم في صناعة الوقود.
• تساعد الرمال السوداء في التقليل من مشاكل ومخاطر البيئة، والتقليل من الإشعاع النووي.
• تحتوي الرمال السوداء على ثروة كبيرة تسهم في إنتاج الكثير من الصناعات بأقل التكلفة.
• تستخدم في صناعة الحديد الإسفنجي.
تُعد استراتيجية مصر للاستفادة من الرمال السوداء من الأفكار المتميزة لاستثمار تلك الثروة المنسية وتعظيم الاستفادة منها، لتحقيق التنمية المستدامة وتوفير مشروعات تعدينية ذات قيمة مضافة أعلى يترتب عليها توفير فرص عمل، وإضافة حلقات صناعية، وجذب استثمارات جديدة مباشرة، خصوصًا أن مصر تمتلك ميزة تنافسية مهمة، وهي توافر بنية تحتية قوية تعمل مصر على تطويرها باستمرار، ومرونة للمستثمرين في النشاط التعديني سواء في أعمال النقل والتصنيع والإنتاج وتوافر الطرق و الكهرباء والموانئ.

تخطو مصر بثبات نحو استثمار أحد أهم مواردها التعدينية غير المستغلة لعقود، إذ تحولت الرمال السوداء من مجرد رواسب على شواطئ البحر المتوسط إلى ثروة وطنية تحمل في طياتها معادن استراتيجية تدخل في صناعات الطيران والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة ،وبدأت الدولة أولى خطواتها الجادة في استغلال الرمال السوداء بتأسيس الشركة المصرية للرمال السوداء عام 2022.
خلاصة القول، الاستغلال الأمثل للثروات التعدينية في أي من الدول يتطلب أمرين؛ الأمر الأول ضرورة تعظيم دور التكنولوجيا وتطوراتها المستمرة في كيفية تعظيم الاستفادة من الثروات والموارد الطبيعية الموجودة في باطن الأرض، والتي تحتاج إلى إمكانيات ضخمة واستثمارات كبيرة ، يمكن أن يكون للتكنولوجيا دور مهم في تخفيضها أو تقليصها، بما قد يمكن الدول التي تتواجد على أراضيها مثل هذه الثروات من استغلالها بشكل وطنيًا. والأمر الثاني هو ضرورة تغيير النظرة إلى مشروعات التعدين من مجرد مشروعات اقتصادية وتجارية تدر العوائد الرسوم النقدية لخزانة الدولة، إلى اعتبارها مشروعات قومية كبري تساعد على خلق قيمة مضافة وتنعكس آثارها على خفض فاتورة استيراد الدولة وتساعد على رفع معدلات نمو الناتج القومي وتعمق الصناعات المحلية.

الرمال السوداء ليست مجرد معادن… إنها رمز لقدرة مصر على تحويل مواردها الطبيعية إلى مشاريع تنمية مستدامة تسهم في بناء مستقبل أقوى واقتصاد أكثر تنوعًا.

….

كاتب المقال:  م. استشاري/ أحمد مختار
استشاري متخصص في شئون النفط والطاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *