
في تاريخ الأمم رجال لا يقاس حضورهم بالسنين، بل بحجم ما تركوه من أثر، وبطبيعة الصروح التي شيدوها لتظل شاهدة على عبقريتهم.
وفي قطاع البترول المصري،.
يقف اسم الدكتور المهندس سيد الخراشي كرمزٍ طرازي فريد للوطنية والتحدي، ورجلٍ عاش في قلوب آلاف العمال، تاركاً بصمة لا تمحى في نهضة مصر الصناعية.
من نيل “إدفينا” إلى المستنقعات خيار الطريق الصعب
ينتمي الدكتور سيد الخراشي إلى عائلة عريقة ملكت الاف الأفدنة واغلبها أرضاً خصبة على ضفاف نيل “إدفينا”، لكنه اختار ألا يستريح في رغد العيش الموروث.
ففضل الطريق الأصعب، ووهب حياته وعلمه لخدمة الوطن.
في تسعينيات القرن الماضي، منحت القيادة السياسية ووزير البترول الأسبق الراحل الدكتور حمدي البنبي ثقتهم المطلقة وصلاحياتهم الكاملة لهذا الرجل.
كانت المهمة شبه مستحيلة لتحويل آلاف الأفدنة من المستنقعات والأراضي الغير صالحة بغرب الإسكندرية إلى قلاع بترولية تضاهي المصافي العالمية.
بعزيمة لا تلين، حوّل الخراشي تلك الأراضي الميتة إلى شرايين حياة تغذي الاقتصاد الوطني، وتفتح أبواب أمل ورزق كريم لآلاف الأسر المصرية.
لم يكن الخراشي يتعامل مع الشركات كمجرد وحدات إنتاجية أو جدران خرسانية، بل كان يراها عائلته التي يزرع فيها روحه.
ومن هنا جاءت تسمياته الشهيرة التي أصبحت أدباً يحكى في قطاع البترول..
أموك (الإسكندرية للزيوت المعدنية) كان يطلق عليها دائمًا “بنتي البكرية”، أولى ثمار التحدي وأقربها إلى قلبه.
أنربك (الإسكندرية الوطنية للتكرير والبتروكيماويات) أطلق عليها “الابن البار” الذي جاء ليسند الأم الكبرى (“الإسكندرية للبترول”) ويضع يده في يد أخته البكرية “أموك”.
أسبك وأكبا وايلاب وبترومنت: الأشقاء الأصغر الذين اكتملت بهم المنظومة على أرض واحدة، لتتحول المنطقة إلى أعظم مجمع متكامل للتكرير والتصنيع والصيانة البترولية في تاريخ مصر.
ومع بداية الألفية الجديدة، بدأت هذه الصروح إنتاجها الفعلي. ولم يتوقف الطموح عند التأسيس، بل امتد لشوط كبير من التوسعات لمضاعفة الطاقة الإنتاجية.
لقد نجحت رؤية الخراشي في سد جانب كبير من احتياجات السوق المحلي المتزايدة من البنزين بنوعيه والزيوت الأساسية.
توفير ملايين الدولارات من العملة الصعبة عبر تقليل الاستيراد وتصدير الفائض.
إحداث توازن استراتيجي لحماية الاقتصاد الوطني في أوقات الأزمات العالمية.
تجاوز الدكتور سيد الخراشي أربعة وثمانين عاماً من عمره الحافل، وما زال قلبه ينبض بحب القطاع والوطن.
فلم يقتصر عطاؤه على الميدان الفني والإنتاجي، بل امتد لتمثيل مصر بكفاءة عالية في المحافل الدولية، وإثراء الحياة النيابية والسياسية كعضو لدورات متتالية في مجلس الشورى.
تكريمٌ يستحقه “أبو البترول”
إن الرجال الذين أفنوا أعمارهم في صمت دون ضجيج، وحفروا أسماءهم على جدران الصروح القومية، يستحقون أن تخلد أسماؤهم في ذاكرة أجيالنا القادمة. ومن هذا المنطلق، نرفع مناشدة إلى القيادة السياسية لتكريم الدكتور مهندس سيد الخراشي، وإطلاق اسمه على “شارع البترول” (السد العالي سابقاً) بالإسكندرية ليكون “شارع الدكتور مهندس سيد الخراشي” اعترافاً بفضله، وتخليداً لذكرى قائدٍ حول المستنقعات إلى صروح تباهي بها مصر العالم.
إن الدكتور المهندس سيد الخراشي ليس مجرد اسمٍ في تاريخ البترول المصري، بل هو مدرسة في الانتماء، وقصة رجلٍ آمن بأن التراب يمكن أن يتحول إلى ذهب إذا ما خالطته العزيمة والإخلاص.
إن الصروح التي شيدها لا تزال تنبض بالحياة، والعمال الذين تتلمذوا على يديه لا يزالون يحملون شعلة الأمل والعمل.
إن تكريم هذا العبقري وإطلاق اسمه على الشارع الذي شهد معركته البناءة ليس مجرد لمسة وفاء لشخصه الكريم، بل هو رسالة إجلالٍ لكل يدٍ تبني، ولكل عقلٍ يبتكر، ولكل قلبٍ يخفق بحب هذا الوطن.
سيبقى الدكتور سيد الخراشي “أبو البترول” الذي حول المستنقعات إلى أمجاد، وستظل إنجازاته شاهداً حياً على أن مصر وجدت لتصنع المعجزات بأيدي أبنائها المخلصين.
https://www.almsryalaan.com/75739

