15 سبتمبر، 2026
أخبار مصر

بين القاهرة وبكين.. حين تصبح الشجرة ذاكرة للمدينة

بقلم : أحمد سلام
Sallamahmed2@gmail.com
عندما زرت بكين للمرة الأولى عام 1998، لم أكن أعرف أن هذه المدينة ستصبح جزءًا من ذاكرتي إلى هذا الحد ، فقد عشت فيها كدارس، ثم عدت إليها في مراحل مختلفة من عملي، ورأيت بكين تتغير وتتطور أمام عيني ، وفي أخر زيارة لي عام 2025، ، وجدت نفسي أتوقف كثيرًا أمام ما قد يبدو للوهلة الأولى أمرًا عاديًا: الأشجار والزهور وألوان الشوارع.
ربما لأنني عشت في بكين طويلًا، أصبحت أرى الشجرة هناك بأكثر من كونها شجرة ، أراها جزءًا من شخصية المكان، وعنصرًا من عناصر راحة الإنسان، وأحيانًا شاهدًا على تاريخ المدينة.
في بكين، لا تبدو الخضرة مجرد زينة تضاف إلى المدينة بعد اكتمالها، وإنما جزء من طريقة التفكير في المدينة نفسها ، ففي عام 2024 وحده، أضافت بكين 35 حديقة جديدة، ليرتفع عدد حدائقها إلى نحو 1100 حديقة، بينما تواصل في 2026 تنفيذ مشروعات جديدة للمساحات الخضراء والحدائق الصغيرة والممرات الخضراء.
والحقيقة أن الأرقام مهما كانت كبيرة، فهي لايمكن أن تفسر وحدها ذلك الشعور الذي تشعر به وأنت تسير في شوارع بكين وأزقتها.
وهناك أمر هام لاحظته في عملية زراعة الاشجار في الصين ، ألا وهو اختيار نوع الشجرة، ومكانها، وطريقة زراعتها، ثم رعايتها لسنوات طويلة ، وهنا تظهر أهمية الخبراء، فليس كل مكان يصلح لكل شجرة، وليست كل شجرة مناسبة لكل شارع ، وهناك نوع التربة، والمياه، ودرجات الحرارة، واتساع المكان، وطبيعة الجذور، والحاجة إلى التقليم، ومقاومة الأمراض، وشكل الشجرة عندما تكبر، في النهاية فالعملية ليست مجرد عملية غرس، وإنما هي فن من فنون إدارة وتجميل المدينة والحفاظ علي البيئة .
والأجمل في التجربة الصينية أن الاهتمام بالشجرة لا يتوقف عند زراعة شجرة جديدة، وإنما يمتد إلى حماية الأشجار القديمة التي أصبحت جزءًا من تاريخ المكان.
في عام 2025 وضعت الصين لائحة وطنية جديدة لحماية الأشجار القديمة والمشهورة. وهذه اللائحة ببساطة تعتبر الشجرة التي يزيد عمرها على 100 عام شجرة قديمة تستحق الحماية، مع درجات مختلفة للحماية بحسب العمر، والأصل هو الحفاظ عليها في مكانها وعدم نقلها إلا في حالات استثنائية ووفق إجراءات محددة ، كما تؤكد اللائحة مسؤولية الحكومة والمجتمع معًا عن حمايتها.
وبكين نفسها لديها منذ سنوات تشريع خاص لحماية الأشجار القديمة، ينص على تسجيلها وتوثيقها ووضع علامات عليها وتحديد مسؤولية رعايتها ومتابعة حالتها بصورة دورية.
ولعل أجمل ما يعبر عن قيمة الشجرة في الثقافة والمكان ذلك المشهد الذي رأيناه خلال زيارة الرئيس ترامب إلى بكين في مايو الماضي، عندما اصطحبه الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى حدائق تشونغنانهاي، وتوقف الحديث عند أشجار عمرها مئات السنين. كان المشهد بسيطًا، لكنه يحمل معنى كبيرًا: عندما يتوقف رئيس دولة أمام شجرة عمرها مئات السنين، فهو لا يتوقف أمام شجرة فقط، وإنما أمام جزء من تاريخ المكان. وأعتقد أن الرسالة وصلت للضيف.
وهناك تجربة شخصية لا يمكنني أن أنساها، حيث كان لي شرف المشاركة في غرس شجرة صداقة في بكين عام 2012 ضمن تقاليد وفعاليات لغرس الأشجار شارك فيها دبلوماسيون وممثلون من دول مختلفة، وكانت لحظة غرس الشجرة تبدو قصيرة، لكن معناها يبقى طويلًا، فالأشخاص يتغيرون، والمسؤولون يرحلون، والبعثات الدبلوماسية تتبدل، بينما تظل الشجرة تنمو في المكان، لذلك شعرت أنني لا أزرع شجرة فقط، وإنما أزرع رمزًا حيًا للصداقة بين الشعوب. واستوقفتني كثيرًا اللوحة التي كانت بجوار المكان الذي غرسنا فيه النبتة، وقد كُتب عليها: «الأرض بيتنا جميعًا، والحفاظ على خضرتها مسؤولية الجميع.. نزرع أشجار الصداقة، فتتفتح أزهار السعادة». كم كانت هذه الكلمات معبرة، ليس فقط عن قيمة الشجرة، وإنما عن فلسفة كاملة ترى في الحفاظ على الخضرة مسؤولية مشتركة، وفي الشجرة رابطًا بين الإنسان والمكان والآخر.
وربما لهذا السبب، كلما تذكرت تلك اللحظة في بكين، أجدني أفكر في القاهرة وهنا لا أقصد أن تصبح القاهرة نسخة من بكين، فهذا غير ممكن ولا مطلوب؛ فلكل مدينة مناخها وتربتها ومواردها المائية وظروفها الاقتصادية والعمرانية. لكن التجارب الناجحة لا تُنقل كما هي، وإنما ندرسها ونتعلم منها ونستفيد من منهجها، ونبحث عما يتناسب مع طبيعة مدينتنا واحتياجات أهلها.
ومن هنا، فإن ما يمكن أن نتعلمه من بكين ليس فقط كيف نزرع المزيد من الأشجار، وإنما كيف نختار الشجرة المناسبة للمكان، وكيف نرعاها ونحافظ عليها، وكيف ننظر إليها باعتبارها جزءًا من جمال المدينة وبيئتها وذاكرتها.
كما يمكننا أن نبدأ بدراسة وبمعرفة ما لدينا بالفعل: أين توجد الأشجار المعمرة والتاريخية في القاهرة؟ ما أنواعها؟ كم يبلغ عمرها؟ ما حالتها؟ وما الذي تحتاجه لكي تبقى؟ ولماذا لا يكون لها سجل واضح، وربما لافتة صغيرة تخبر المارة بقصتها؟
فالقاهرة مدينة عمرها آلاف السنين، ومن المؤكد أن بها أشجارًا يمكن أن تكون جزءًا من ذاكرتها مثلما أصبحت بعض أشجار بكين جزءًا من ذاكرة مدينتها.
*عضو جمعية الصداقة المصرية الصينية
المسألة إذن ليست في عدد الأشجار وحده، وإنما في علاقتنا بها. هل نزرعها ثم ننساها؟ أم نعرف نوعها، ونرعاها، ونحميها، ونعتبرها جزءًا من ثروة المدينة؟
بعد سنوات طويلة من علاقتي ببكين، أستطيع أن أقول إن من أجمل ما رأيته فيها ليس مبنى جديدًا ولا طريقًا واسعًا، وإنما ذلك الإحساس بأن الشجرة لها مكان في حياة المدينة.
فالشجرة ليست مجرد شجرة؛ أحيانًا تكون تاريخًا، وذاكرة، وصداقة، وحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *