في الأوطان العظيمة، لا تُقاس قوة الدول بما تشيده من جسورٍ ومدنٍ جديدة، ولا بما ترفعه من صروحٍ عمرانية شاهقة، بل تُقاس أولًا بقدرتها على إنصاف الإنسان الذي يصنع العقول، ويحرس الوعي، ويغرس في الأجيال معنى الانتماء… إنه المعلم.
وفي مصر، تلك الدولة التي تخوض واحدة من أعظم معارك البناء والتحديث في تاريخها الحديث، لا يمكن لأي منصف أن ينكر حجم ما تحقق من إنجازات كبرى بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي واجه لحظة فارقة كانت فيها المنطقة تموج بالاضطراب، فاختار طريق البناء لا الهدم، والاستقرار لا الفوضى، ودولة قادرة على البقاء والصمود.
ولأن بناء الأوطان لا يكتمل بالحجر وحده، فقد ظل حديث الرئيس عن “بناء الإنسان” سابقًا لكل مسارات التنمية، وكانت كلماته تجاه المعلم واضحة، صادقة، ومفعمة بالتقدير، إدراكًا منه أن المعلم هو خط الدفاع الأول عن وعي الأمة، وسورها الحقيقي في مواجهة الجهل والتطرف والانهيار الأخلاقي.
غير أن الحقيقة المؤلمة، التي تمس وجدان كل وطني مخلص، أن هذا المعلم نفسه — حامل رسالة العلم وباني العقول — أصبح في أحيان كثيرة يطارد حقوقه بين أروقة الإدارات والملفات والتوقيعات، وكأن ما يستحقه من حقٍ أصيل بات رحلة شاقة لا تنتهي.
أي ألمٍ هذا الذي يجعل معلمًا أفنى عمره بين الطباشير والكتب، ينتظر شهورًا طويلة لمكافأة امتحان أو حافزٍ مستحق؟!
وأي شعورٍ بالمرارة حين يرى زميله يحصل على مستحقاته، بينما يُحرم هو منها بسبب اختلاف تفسير أو تعقيد إداري أو اجتهادات غير منضبطة في بعض المديريات؟!
مكافآت الثانوية العامة تتأخر…
ومكافآت الدبلومات الفنية تتعطل…
ومستحقات الشهادة الإعدادية تتوه بين الإجراءات…
وحوافز التطوير تتباين بين إدارة وأخرى…
ومعلمو الحصة ينتظرون شهورًا طويلة بلا استقرار مالي…
والخصومات تُطبق أحيانًا بلا وضوح أو معيار موحد…
حتى أصبح المشهد — في بعض جوانبه — لا يليق بدولة بحجم مصر، ولا برؤية الجمهورية الجديدة التي نحلم بها جميعًا.
وأنا هنا لا أكتب من موقع الخصومة، ولا من زاوية الاعتراض على الدولة، بل من موقع الإيمان بها والدفاع عنها، وعن صورتها العادلة التي يجب أن تبقى قوية ورحيمة في آنٍ واحد.
فالرئيس الذي شدد مرارًا على دعم المعلم لا يمكن أن يقبل أن يُرهق المعلم في متاهات البحث عن حقه، أو أن يُترك فريسة لاجتهادات متضاربة أو بطءٍ إداري لا يليق بروح الدولة الحديثة.
لقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط حين تضعف جيوشها، بل حين ينكسر معلمها، وتضيع قيمة العلم في وجدانها.
فالمعلم هو من يصنع عقل الجندي الذي يحمي الحدود، وعقل الطبيب الذي ينقذ الحياة، وعقل القاضي الذي يحقق العدالة، وعقل المهندس الذي يبني المستقبل، وعقل كل مسئول في هذا الوطن.
ومن هنا، فإن إنصاف المعلم ليس مطلبًا فئويًا، بل قضية وعي ووجود لمستقبل أمة بأكملها.
إنني أكتب اليوم بضميرٍ وطني خالص، مدافعًا عن حق المعلم المصري، لا بحثًا عن صدام، بل طلبًا للعدالة، وصونًا لقيمةٍ لا يجوز أن تُترك في مواجهة الروتين والتأخير والتعقيد.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الجهود التي يبذلها الدكتور محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، في محاولة إعادة ضبط إيقاع المنظومة التعليمية، وتطوير المدرسة المصرية، وتعزيز دور المعلم داخلها، في إطار رؤية تستهدف تحسين الأداء ورفع كفاءة العملية التعليمية، رغم ضخامة التحديات وتشابك الملفات.
يا سادة…
إن المعلم المصري لا يطلب امتيازًا، ولا يبحث عن استثناء، بل يطلب عدالة بسيطة: أن يصل إليه حقه في موعده، بلا عناء، وبلا تفرقة، وبلا تعقيد.
وسيظل المعلم المصري، رغم كل ما يمر به، واقفًا كالمنارة، يحترق ليضيء الطريق للأجيال، مؤمنًا بوطنه، عاشقًا لترابه، ومدافعًا عنه بالفكر قبل السلاح…
لكن يبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب عن ضمير أي مسئول:
كيف لمن يضيء عقول الأمة كلها… أن يظل مضطرًا للبحث عن حقه في الظلام؟

