30 مارس، 2026
مقالات

تهامي كرم يكتب : “مصر… حين تتحدث، يصمت التاريخ، وحين تتحرك، ترتجف الموازين”

في زمنٍ تتشابك فيه الخرائط، وتختلط فيه الأصوات، وتتصارع المصالح، تبقى مصر أكثر من وطن؛ إنها قلب الأمة الذي ينبض حين تخبو القلوب، وعمود الصلابة حين تميل الأعمدة الأخرى.
ليست مصر مجرد دولة تُحسب بالأرقام أو تُقاس بالمال، بل هي المعنى حين تضيع المعاني، والمرجع حين تتشتت المسارات، والصوت الذي يُسمع في كل حين، حتى وإن صمتت المدن، فصمت القاهرة وحده أبلغ من كل الكلمات.
ففي تاريخ الأمم لحظاتٌ تختبر المعادن الحقيقية للدول؛ لحظاتٌ تتراجع فيها الأصوات العالية، وتنكشف فيها الفوارق بين من يصنع الضجيج ومن يصنع التوازن، بين من يملك وفرة المال ومن يملك عمق الدولة، بين من تحمله اللحظة ومن يحمله التاريخ.
وفي مثل هذه اللحظات، تبقى مصر حاضرةً لا بوصفها مجرد دولةٍ ضمن خريطة، بل بوصفها العمود الذي إذا مال، شعرت الأمة كلها بأن السقف مهدد، وإذا ثبت، بقي في البناء ما يمنع الانهيار.
ذلك لأن مصر لم تكن يومًا وطنًا عاديًا في حسابات العرب، بل كانت دائمًا المعنى حين تضيع المعاني، والمرجع حين تتشعب الطرق، والاسم الذي إذا حضر في معادلة الشرق تغيّرت نبرة الحديث كله.
ولهذا فإن كل حديثٍ يتردد عن إعادة تشكيل النظام العربي، أو نقل جامعة الدول العربية من القاهرة إلى الرياض، يجب أن يُقرأ بوعيٍ يدرك أن بعض الرموز لا تُنقل كما تُنقل الملفات، لأن الأماكن الكبرى لا تحمل الجدران وحدها، بل تحمل ذاكرة قرنٍ كامل من الحضور السياسي والثقل الحضاري.
فـ القاهرة ليست فقط مدينةً احتضنت مقرًا عربيًا، بل مدينةٌ حملت على كتفيها ما عجزت عنه خرائط كثيرة، وكانت في أزمنةٍ طويلة كالمئذنة التي ظل صوتها مسموعًا حتى حين اشتدت العواصف حولها.
هي مدينةٌ تشبه النبض في جسد الأمة؛ قد يبطؤ أحيانًا، لكنه لا ينقطع، وقد يهدأ، لكنه يبقى دليل الحياة.
وأنا حين أكتب عن مصر، فإنني أكتب بقدرٍ كبير من المحبة التي لا تنفصل عن الفخر؛ محبة وطنٍ علّم أبناءه أن الانتماء ليس كلماتٍ تُقال، بل مسؤولية تُحمل، وصبرٌ يُمارس، وثقةٌ بأن هذه الأرض مهما اشتدت عليها السنون، تظل قادرة على أن تنهض كما ينهض الفجر بعد أطول ليل.
أحب مصر لأنها الوطن الذي كلما حاولت المحن أن تثقل كتفيه، بدا أكثر صلابة، كأن الله وضع في ترابه سرًا يجعل الانكسار عنده مؤقتًا، والنهوض فيه عادةً قديمة.
وأحب جيشها العظيم لأنه ليس مجرد قوةٍ عسكرية، بل هو في وجدان المصريين حصنٌ إذا اضطربت الأسوار من حوله بقي وحده كافيًا لطمأنة القلوب.
ذلك الجيش الذي يشبه النهر العميق؛ لا يحتاج إلى ضجيج ليُعرف، لأن هدوءه نفسه يحمل معنى القوة.
جيشٌ يعرف أن السلاح لا تُقاس قيمته بكثرة ظهوره، بل بحكمة موضعه، وأن القرار العسكري حين يصدر يجب أن يكون كالكلمة الأخيرة: واضحة، محسوبة، لا رجعة فيها.
وأحب قيادتها لأنها تدير وطنًا بحجم مصر في زمنٍ تتكاثر فيه الضغوط كما تتكاثر الأمواج في بحرٍ مضطرب، ومع ذلك تمضي الدولة بثبات من يعرف أن التسرع في الإقليم قد يفتح أبوابًا لا تُغلق بسهولة.
ولهذا فإن مصر حين تتأنى، فإنها لا تبتعد، بل ترى أبعد.
وحين تختار الحساب الدقيق، فإنها تفعل ذلك لأن الدول الكبيرة لا تدخل النيران لتثبت حضورها، بل تدخل فقط حين يصبح الحضور ضرورة لا يحتملها التأجيل.
وفي المقابل، فإن المشهد الإقليمي نفسه يكشف أن داخل البيت الخليجي تباينات واضحة في الرؤية والتقدير؛ مواقف متعددة، حسابات متباينة، وقراءات مختلفة للمستقبل، حتى بدا الأمر وكأن الأصوات تصدر من غرفة واحدة، لكن بإيقاعات غير متطابقة.
ومن هنا، يصبح من الإنصاف أن يُفهم موقف مصر بعيدًا عن الانفعال، لأن من حق كل دولة أن تتحرك وفق ما تراه حمايةً لمصالحها القومية.
إننا نحمل كل تقديرٍ ومحبة لأشقائنا في السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عمان، كما نؤمن أن بين العرب والمسلمين روابط أعمق من أي خلاف سياسي طارئ.
فنحن لا نريد لهذه العلاقات إلا الثبات، ولا نرى في الخلاف سببًا للقطيعة، لأن الأمة المثقلة أصلًا بالجراح لا تحتمل مزيدًا من الشروخ.
لكن في الوقت نفسه، فإن الحكمة تقتضي الاعتراف بأن الاعتماد الطويل على المظلات الأجنبية، والقواعد العسكرية الخارجية، والتحالفات العابرة للحدود، جعل المنطقة تؤجل طويلًا بناء مشروعها الذاتي.
كان ممكنًا أن يكون لدينا جيش عربي موحد، وصناعة دفاع مستقلة، وسوق مشتركة، وقرار استراتيجي مستقل، لكن الفرصة تأخرت، حتى صار الخارج جزءًا من المعادلة اليومية.
والتاريخ يعلّم أن الخارج لا يمنح حمايةً بلا مقابل، ولا يقدم ضمانًا دائمًا.
يكفي أن نتأمل ما جرى لـ العراق، كيف كان حاضرًا بقوة، ثم كيف تغيّرت صورته حين تبدلت المصالح الدولية.
ولهذا تدرك مصر أن بناء القوة الحقيقية لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل، من تماسك الدولة، ومن صلابة مؤسساتها، ومن وعي شعبها.
أما العدو الذي لا ينبغي أن يغيب عن البصيرة العربية، فهو ذلك المشروع الذي يتمدد كلما انشغل العرب بخلافاتهم.
في غزة، وفي لبنان، وفي سوريا، وفي اليمن، تُكتب كل يوم رسائل واضحة لمن يريد أن يرى.
ومع ذلك، تبقى مصر حريصة على أن تظل يدها ممدودة للأشقاء، لأن قوتها الحقيقية لا تنفصل عن إيمانها بأن وحدة العرب والمسلمين ــ مهما تعثرت ــ تبقى ضرورة لا رفاهية.
ستظل مصر في وجداني كما هي دائمًا:
آخر الأعمدة حين تتعب الأمة،
وأقرب الجدران حين تميل الأسقف،
والصوت الذي إذا هدأ، ظل معناه حاضرًا في كل مكان.
حفظ الله مصر
وحفظ جيشها العظيم،
وحفظ قيادتها،
وأدام بين العرب والمسلمين ما يصون الأخوة، ويمنع الفتنة، ويجعل الحكمة أعلى من العاصفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *