إن كثيرا من الناس يظنون أن المال هو مقياس الرجال، وأن من يمتلك المال يمتلك كل شيء في هذه الحياة، فالغني هو العظيم، والفقير هو الحقير .
فنجد الكثير من الناس يهرولون و يلهثون املأ في جمع الأموال بشتى الطرق، من الحلال والحرام لا يهم، على حساب من لا يهم، لأنهم يظنون أن من يملك المال يملك الرجولة والهيبة.
وفي الحقيقة فإن التاريخ، والقرآن والسنة، والتجارب الحياتية تثبت دائما أن المال يأتي بالكماليات التي نطمح اليها، أما الرجولة فتصنعها المواقف والأخلاق الحميدة.
أولا في ضوء القرآن الكريم: فنجد أن القرآن الكريم هدم فكرة تقديس المال ؛ فجعل معيار الرجال ومنازلهم هو التقوى والعمل الصالح لا الثروة والمال في قوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وليس أغناكم أو أكثركم مالاً.
كما أوضح سبحانه وتعالى أن المال فتنة وابتلاء فقال جل جلاله (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) بمعنى أن المال اختبار للغني على حسن تصرفه في هذا المال الذي وهبه الله له، وعلى شكره للمنعم، وابتلاء أيضاً للفقير على صبره وشكره لله على قلة ما لديه من مال، ومن هنا من الممكن أن ينجح الفقير الصابر، ويرسب الغني البخيل المتكبر.
ولقد ذكر لنا القرآن الكريم قصة قارون الذي كان من أغنى الناس في زمانه وقد قال الله تعالى (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم) وقد أعطاه الله من الخزائن ما إن مفاتيحها تعجز العصبة من الرجال على حمل تلك المفاتيح. فماذا كانت النتيجة؟
(فخسفنا به وبداره الأرض) ولم ينفعه ماله، بل كان سبباً في هلاكه؛ لأنه بغى وتكبر وبخل بماله.
أما في ضوء السنة النبوية: فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن قيمة الإنسان الحقيقية في خلقه و دينه وليست في ماله فقال صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) فميزان البشر عند الله أساسه التقوى والعمل الصالح.
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً ملك الدنيا شرقاً وغرباً ولم يملكه المال رغم أنه كان يملك خزائن بيت مال المسلمين، وكانت الكنوز والأموال تصل اليه من الروم والفرس، وفي أحد الأيام دخل عليه أحد الصحابة فوجده يرتدي ثوباً مرقعة بها (١٢) رقعة. فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الله قد وسع عليك، فلو لبست ثوباً ألين من هذا وأكلت طعاماً أطيب؟
فبكى رضي الله عنه وقال أخاف إن أكلت طيباً ولبست لينا ، أن يضيع من هم دوني.
الخلاصة يجب أن نعلم أن المال نوع من أنواع الرزق بل هو أدنى أنواع الرزق، فهناك الصحة و الأولاد والزوجة الصالحة وحب الناس كل ذلك رزق من الله، فالمال لو اسخدمناه في خدمة الناس ومساعدتهم كان خيراً لنا.
فالمال من الممكن أن يشتري سريراً من ذهب، لكنه لا يمكن أن يشتري نوما هادئاً. من الممكن أن يشتري أغلى أنواع الأدوية، لكنه لا يشتري الصحة و العافية. من الممكن أن نقوم بعمل جنازة على أعلى مستوى، لكن لا يمكن أن نشتري سيرة طيبة بعد الموت.
فقد ساد المسلمون الأوائل العالم رغم الظروف الصعبة التي كانوا يتعرضون لها فكانوا رجالاً وتحملوا المسؤلية كاملة .
وفي النهاية يجب أن نعلم أن الله يحب أن نكون أقوياء في العلم و المال و الأعمال فهناك مثلاً عبدالرحمن بن عوف كان من أغنى أغنياء المدينة المنورة ولكن ماذا فعل بماله، لقد قسمه جزءا له وجزءا للفقراء والمحتاجين وآخر لصلة الأرحام، فكان كلما زادت أمواله فرح الناس لأن نصيبهم سوف يزيد، ولذلك استمرت سيرته خالدة حتى الآن لأنه كان رجلاً لم يغيره كثرة المال.

