يمثل العنصر البشري الركيزة الأساسية لنجاح صناعة البترول والغاز، فخلف مشروعات الاستكشاف والحفر والإنتاج والتصميم ومعالجة الغاز والسلامة المهنية، تقف كفاءات مصرية اكتسبت خبراتها عبر سنوات طويلة من العمل والتدريب والتأهيل. ومن ثم، فإن تزايد انتقال هذه الكفاءات إلى أسواق العمل الخارجية، خاصة دول الخليج العربي، لم يعد مجرد ظاهرة وظيفية عابرة، بل أصبح تحديًا يستدعي تحركًا جادًا للحفاظ على الخبرات الوطنية وضمان استمرارية العمل بكفاءة وأمان.
وتأتي الفجوة بين مستويات الأجور والحوافز في الشركات المصرية ونظيراتها الأجنبية بالخارج، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية فرص التطور الوظيفي في بعض الحالات، ضمن أبرز العوامل التي تدفع الكفاءات إلى قبول عروض العمل الخارجية. وتزداد خطورة الظاهرة مع تكرار حالات الاستقالة والمعاش المبكر، خاصة بين الكوادر الفنية الشابة وأصحاب الخبرات المتخصصة العاملين في المشروعات المشتركة مع الشركات الأجنبية.
ومن المشكلات التي تستحق المراجعة أيضًا محدودية المرونة في التعامل مع طلبات الإجازات بدون مرتب، التي قد تتيح للعاملين تحسين أوضاعهم المعيشية واكتساب خبرات دولية، مع الاحتفاظ بفرصة العودة إلى شركاتهم مستقبلًا وفق ضوابط واضحة. فخسارة مهندس أو خبير أمضى سنوات في التدريب والتأهيل لا تعني شغور وظيفة فحسب، بل تعني فقدان خبرة تراكمية يصعب تعويضها سريعًا، فضلًا عن ارتفاع تكاليف إعداد بدائل جديدة واحتمال التأثير في كفاءة التشغيل وسلامة العمليات واستمرارية المشروعات.
وتأتي هذه التحديات في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا اقتصادية ومتغيرات إقليمية تؤثر في أسواق الطاقة وتكاليف الإمدادات، بينما يسعى قطاع البترول إلى تعظيم الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات وتلبية احتياجات السوق من البترول والغاز. وهو ما يجعل الحفاظ على الكفاءات الوطنية ضرورة استراتيجية ترتبط بأمن الطاقة والاقتصاد القومي، وليس مجرد شأن إداري داخلي.
الكفاءات الوطنية.. ثروة لا تقل أهمية عن الثروات البترولية
إن الثروة الحقيقية لقطاع البترول لا تقتصر على ما تختزنه الأرض من موارد، بل تشمل أيضًا العقول والخبرات التي تستطيع اكتشاف هذه الموارد وتنميتها وإنتاجها بكفاءة وأمان.
وإذا كانت الدولة تستثمر سنوات طويلة في تأهيل المهندسين والفنيين وإعدادهم لتحمل مسؤوليات المشروعات الكبرى، فمن الضروري أن تقترن هذه الاستثمارات بسياسات فعالة للاحتفاظ بهم، وتوفير بيئة عمل تحترم خبراتهم وتكافئ أداءهم وتمنحهم فرصًا عادلة للتقدم.
إن مواجهة هجرة الكفاءات ليست معركة ضد حق المصريين في تحسين أوضاعهم المعيشية والمهنية، وإنما هي دعوة إلى معالجة الأسباب التي تجعل الرحيل، في نظر بعضهم، الخيار الأكثر جاذبية.
ومن هنا، فإن التحرك العاجل والمدروس للحفاظ على الكفاءات الوطنية يجب أن يكون أولوية استراتيجية لقطاع البترول، حفاظًا على استمرارية الإنتاج، وحمايةً للخبرات المتراكمة، ودعمًا لأمن الطاقة والاقتصاد المصري.
فالأوطان لا تحافظ على ثرواتها بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على العقول التي تدير هذه الموارد وتصنع مستقبلها.
رسالة إلى صُنّاع القرار
إن وزارة البترول والثروة المعدنية، بما تمتلكه من خبرات قيادية وتاريخ طويل في إدارة أحد أهم القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد المصري، قادرة على قيادة مراجعة جادة لهذه القضية، بالتنسيق مع الشركات والجهات المعنية، وبما يحقق التوازن بين متطلبات التشغيل والإمكانات المالية وحقوق العاملين ومصلحة الدولة ويجب عليها دراسة هذه الظاهرة بصورة عاجلة، واتخاذ خطوات عملية تشمل:
• إعادة هيكلة منظومة الأجور والحوافز والبدلات بما يراعي معدلات التضخم وطبيعة التخصصات والمسؤوليات والمخاطر الميدانية، مع ربط الحوافز بالأداء والإنتاجية.
• مراجعة ضوابط الإجازات بدون مرتب والإعارات بما يحقق التوازن بين مصلحة الشركات وحقوق العاملين، ويساعد على الاحتفاظ بالكفاءات وإتاحة فرص عودتها.
• ترسيخ الحوكمة الوظيفية وتكافؤ الفرص من خلال معايير معلنة وعادلة للترقي وتولي المناصب القيادية، تقوم على الكفاءة والخبرة والإنجاز، والحد من المحسوبية والوساطة.
• إنشاء قاعدة بيانات للتخصصات الحرجة ورصد أسباب الاستقالات والمعاش المبكر، ووضع برامج واضحة للاحتفاظ بالخبرات ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.

