لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نعمةً إذا أُحسن استخدامها، ونقمةً حين تتحول إلى مسرحٍ للرياء، ومنصةٍ للتزييف، وسوقٍ للتملق، والنفاق.
ومن أخطر ما أفرزته هذه الوسائل في زماننا أن بعض الناس أصبح يعيش أمام الشاشات بوجهٍ غير وجهه، ولسانٍ غير لسانه، وقلبٍ غير القلب الذي يتظاهر به. يكتب ما لا يشعر به، ويمدح من لا يحبه، ويُظهر من الوفاء ما لا يعرفه، وكأن مواقع التواصل أصبحت مصنعًا لإنتاج المشاعر المزيفة.
نرى من يُغدق كلمات المديح والثناء، لا حبًا ولا تقديرًا، وإنما طمعًا في منفعة، أو رغبةً في الشهرة، أو خوفًا من خسارة علاقة أو مصلحة. ونرى من يكتب عبارات المحبة والدعاء والإخلاص، فإذا انتهت المصلحة أو ابتعد الشخص عن دائرة النفوذ، انكشف ما كان مخفيًا خلف تلك الكلمات من جفاءٍ أو حسدٍ أو كراهية.
ومن أكثر الصور صخبًا لهذا النفاق ما يحدث عند ترقية أحد الأشخاص، وخاصة إذا كان في الشرطة، أو الجيش، أو القضاء، أو أي موقع من مواقع السلطة والنفوذ.
فما إن تنتشر أخبار الترقية حتى تنهال المنشورات والتهاني، ويبدأ سباقٌ غير معلن: من يكتب أكثر؟ ومن يبالغ أكثر؟ ومن يستطيع أن يثبت أنه الأقرب والأعرف والأكثر محبة؟
هذا يكتب: ابن العم والحبيب والأخ والصديق العزيز، شرف العائلة ورفع رأسها. وذاك يسارع إلى نشر صورته خفية للحصول على لقب (أقرب المقربين) ، وثالث يكتب كلماتٍ تفوق كلمات الجميع مبالغةً ومديحًا، وكأن هناك مسابقةً.
والغريب أن بعض هؤلاء لا تربطهم بصاحب الترقية علاقة حقيقية أصلًا، وربما لا يعرفه إلا معرفةً عابرة، وربما لا يقرأ صاحب الترقية منشوره من الأساس، ومع ذلك يتسابقون في إظهار القرب منه وكأنهم يخشون أن يفوتهم نصيبٌ من الضوء.
والأكثر إثارةً للسخرية أن بعض من يتفاخرون اليوم بقرابتهم أو صداقتهم لشخصٍ ما، قد لا يذكرونه في حياته إلا نادرًا، وربما يتجاهلون تلك القرابة عندما لا تكون وراءها منفعة. بل قد يصل الأمر إلى أن بعضهم لو استطاع أن يتبرأ من هذه القرابة حين يكون الطرف الآخر فقيرًا أو بلا نفوذ لفعل.
فأين ذهب الصدق؟
لقد جعلت السوشيال ميديا بعض الناس يقيسون قيمة الإنسان بعدد المتابعين والإعجابات والتعليقات، لا بخلقه، وعلمه، وأمانته، ومروءته. أصبح المدح سلعة، والإعجاب تجارة، والمجاملة الزائفة استثمارًا للمستقبل
وليس المقصود بالطبع ذم الكلمة الطيبة، أو التهنئة الصادقة، أو التعبير الحقيقي عن الفرح بنجاح الآخرين. فالكلمة الطيبة صدقة، وشكر الناس والثناء على ما فيهم من خير من مكارم الأخلاق
لكن المذموم هو أن تقول ما لا تعتقد، وأن تمدح من لا يستحق، وأن تُظهر المحبة وأنت تضمر البغضاء، وأن تصنع للإنسان صورةً لا علاقة لها بحقيقته، فقط لأنك تريد رضاه أو تحتاج إلى نفوذه
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119).
وقال سيدنا رسول الله ﷺ: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
والنفاق ليس فقط نفاق العقيدة، وإنما هناك النفاق العملي الذي تظهر صوره في الكذب والخداع وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة والتلون بحسب المصالح.
وحين تصبح هذه الأخلاق سلوكًا عامًا، تنهار الثقة بين الناس، ويصبح الإنسان عاجزًا عن معرفة الصادق من المتملق، والمحب الحقيقي من الباحث عن مصلحة. ومن أخطر صور النفاق ذلك الذي يحيط بأصحاب السلطة والنفوذ فكم من أشخاص يلتفون حول المسؤول، لا حبًا فيه، وإنما حبًا في سلطته. يمدحونه في حضوره، ويبالغون في وصف حكمته وعبقريته وعدله وفضله، وربما جعلوا منه في كلماتهم رجلًا لا يخطئ ولا يظلم ولا يجهل. وقد يكون بعضهم لا يعرف عنه شيئًا أصلًا، لكنه يمدحه لأن
الآخرين يمدحونه والأخطر أن هذا المديح المستمر قد يتحول إلى خطر على صاحب السلطة نفسه.
فالإنسان الذي يسمع سنواتٍ طويلة من حوله أنه عبقري، وعظيم، وحكيم، وفوق النقد، قد يبدأ تدريجيًا في تصديق الصورة التي رسمها له المتملقون، حتى إذا جاءه من ينصحه بصدق، ظنه حاقدًا أو جاهلًا أو عدوًا وهنا يصبح المتملق أخطر من العدو فالعدو قد يقول لك الحقيقة بدافع الكراهية، أما المتملق فيخفي عنك الحقيقة بدافع المصلحة.
ولنا في قصة فرعون عبرة عظيمة؛ فقد أحاط به أهل السلطة والتزيين حتى استكبر في الأرض، ورفض الحق، وتمادى في الباطل وكم من «هامان» يلتف حول أصحاب السلطة في زماننا قد تتغير الأسماء والمناصب والأزمنة، لكن ظاهرة التملق لا تتغير.
كل صاحب سلطة أو نفوذ معرض لأن يحيط به عشرات الأشخاص الذين يريدون القرب منه، أو الاستفادة من سلطته، أو الظهور أمام الناس بأنهم من خاصته ومقربيه وهؤلاء لا يخدمونه كما يظنون، بل قد يكونون أكثر الناس ضررًا عليه.
فالصديق الصادق يقول لك الحقيقة ولو كانت مؤلمة، أما المتملق فلا يقول إلا ما يرضيك، حتى لو كان في ذلك هلاكك: الصدق قد يزعجك، لكنه ينقذك أما التملق فقد يسعدك، لكنه قد يهلكك.
والنفاق لا يخدع الآخرين فقط؛ بل قد يصل إلى مرحلة أخطر: أن يخدع الإنسان نفسه، فتراه على الشاشة شخصيةً مختلفة تمامًا عن شخصيته في الواقع. على مواقع التواصل: متواضع، رحيم، ودود، محب للناس، ناصح للخير، صاحب مبادئ وفي حياته الحقيقية: متكبر، قاسٍ، أناني، سيئ الخلق، لا يعرف الرحمة إلا في المنشورات. وهنا يتحول الإنسان من مجرد منافق أمام الناس إلى إنسان يعيش في كذبة صنعها بنفسه وصدقها. قد تستطيع أن تخدع متابعيك وقد تستطيع أن تصنع لنفسك صورةً جميلة أمام الناس وقد تستطيع أن تجمع آلاف الإعجابات والتعليقات لكن هل تستطيع أن تخدع الله؟
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
الله لا ينظر إلى عدد إعجاباتك، ولا إلى عدد متابعيك، ولا إلى كثرة التعليقات التي حصلت عليها
إنما ينظر إلى القلب والعمل والصدق. فلا تجعل صفحتك على مواقع التواصل أفضل من حياتك الحقيقية
ولا تجعل كلماتك عن الأخلاق أجمل من أخلاقك، ولا تجعل صورك عن الرحمة أرحم من قلبك
ولا تجعل منشوراتك عن الصدق أكثر صدقًا منك.
اجعل السوشيال ميديا وسيلةً لنشر العلم والخير، وصلة الرحم، وتشجيع الناس، والتعبير عن المشاعر الصادقة، لا مسرحًا للرياء، ولا سوقًا للنفاق، ولا ساحةً للتملق والتصنع.
وتذكر دائمًا: المدح الصادق فضيلة، أما التملق فمهانة والصدق قد يحرمك أحيانًا من بعض المصالح، لكنه يحفظ لك كرامتك.
فكن صادقًا حين تمدح، وصادقًا حين تنتقد، وصادقًا حين تحب، وصادقًا حين تختلف ولا تمدح إنسانًا بما ليس فيه من أجل مصلحة ولا تدّعي قربًا من شخص لأن منصبه أصبح كبيرًا ولا تتبرأ من إنسان لأنه أصبح فقيرًا أو ضعيفًا أو بلا نفوذ فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تتغير بتغير منصبه، ولا بثروته، ولا بعدد الذين يلتفون حوله
نسأل الله أن يرزقنا الصدق في القول والعمل، وأن يطهر قلوبنا من الرياء والنفاق، وأن يجعلنا ممن إذا مدحوا صدقوا، وإذا اختلفوا عدلوا، وإذا أحبوا أخلصوا، وإذا نصحوا قالوا الحق، ولو كان الحق على أنفسهم.
فما أحوجنا في زمن كثرت فيه الوجوه الافتراضية، والصور المزينة، والكلمات المصطنعة، إلى أن نحافظ على وجهٍ واحد
وجهٍ صادق، لا يتغير بتغير الأشخاص والمصالح والمناصب
وفي زمن أصبحت فيه الوجوه كثيرة، والصور كثيرة، والكلمات كثيرة
يبقى الصادق نادرًا
فكن أنت ذلك النادر
أخبار مصر
مقالات
المهندس صبري الشرقاوي يكتب: آفة من آفات الزمان.. السوشيال ميديا والنفاق الكريه
- by ahmed alnadeem
- 13 أغسطس، 2026

