11 مايو، 2026
البترول مقالات

المهندس صبري الشرقاوي يكتب:  آفة من آفات هذا الزمان: البلطجة وسوء الأخلاق واحترام من لا يستحق الاحترام

من أخطر الآفات التي انتشرت في هذا الزمان انتشار البلطجة وسوء الأخلاق، حتى أصبح بعض الناس يهابون صاحب الصوت العالي واللسان البذيء أكثر مما يحترمون صاحب الأدب والخلق الكريم. واختلطت عند كثيرين معاني الهيبة الحقيقية بمعاني التخويف والقوة، فأصبح البعض يظن أن احترام الناس يُنتزع بالصراخ والتهديد والسلطة والمال، بينما الحقيقة أن الاحترام الصادق لا يكون إلا بحسن الخلق وكريم المعاملة.
لقد كانت أخلاق الإسلام واضحة لا لبس فيها، فقال الله تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾،
وقال سبحانه: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾،
وقال سيدنا رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده».
فالهيبة الحقيقية تنبع من الأدب، والصدق، واحترام الناس، وضبط النفس عند الغضب، أما التخويف بالقوة أو النفوذ أو المال فليس هيبة، بل خوف مؤقت يزول بزوال سببه.
ونرى اليوم صورًا كثيرة لهذا الانحدار الأخلاقي؛ فقد يسبّ إنسانٌ غيره في الطريق وهو المخطئ أصلًا، فقط لأنه اعتاد قلة الأدب وظن أن الصوت المرتفع دليل قوة. وقد يحمل آخر في داخله حقدًا دفينًا على شخص لا يستطيع مواجهته، فيستغل لحظة غضب أو خلاف ليؤذي أهله أو أبناءه بالكلام الجارح والسباب، ظنًا منه أن ذلك انتصار، وهو في الحقيقة سقوط أخلاقي.
ومن الناس من يستقوي بحماية صاحب نفوذ أو مال أو منصب، فيتعالى على الخلق ويحاول جرّ الآخرين إلى مستنقع البلطجة وسوء الضمير الذي يعيش فيه. ولو نُزعت عنه تلك الحماية لظهر ضعفه وجبنه، لأن الشجاعة الحقيقية ليست في ظلم الناس، بل في التحكم في النفس واحترام الآخرين.
وهناك من يرى نفسه أفضل من غيره فقط لعلاقته بصاحب جاه أو سلطة، فيُظهر ما بداخله من سوء أدب أمام الناس، خاصة مع الضعفاء، حتى يخشاه الآخرون ويتجنبوا شره. وهؤلاء لا ينالون احترام الناس الحقيقي، وإنما ينالون خوفًا مؤقتًا وكرهًا مكتومًا.
إن المجتمعات لا تُبنى بالبلطجة، ولا يرتفع شأن الإنسان بسوء الأخلاق، وإنما ترتقي الأمم حين يصبح الأدب قيمة، والاحترام خلقًا، والرحمة أساسًا في التعامل بين الناس. وما أحوجنا اليوم إلى العودة إلى أخلاق الإسلام الحقيقية؛ أخلاق الحلم، والعفو، واحترام الكبير، والرفق بالضعيف، وكف الأذى عن الناس.
فالإنسان قد يُخيف الناس فترة، لكنه لا يستطيع أن يفرض على القلوب محبته واحترامه، لأن القلوب لا تخضع إلا للأخلاق الطيبة والنفوس الكريمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *