24 سبتمبر، 2026
أخبار مصر مقالات

المهندس صبري الشرقاوي يكتب: آفة من آفات الزمان: التعصب الوهابى وضياع روح الدين

ابتلانا الله في زماننا بأناسٍ جعلوا الدين أضيقَ من أن يتسع لاختلاف العلماء، وأصبح الحق عند بعضهم محصورًا في أسماءٍ بعينها، وكأن الإسلام لم يعرف فقهًا ولا حديثًا ولا عقيدةً إلا من خلال شيوخٍ محددين
يخطِّئون كبار الصحابة والعلماء، ولا يجرؤون على مراجعة قول شيخٍ معاصر أو متأخر، وكأن العصمة انتقلت من الأنبياء إلى الرجال يختلفون مع الأئمة الأربعة، ويضعّفون أقوالهم، ثم يتعاملون مع بعض المتأخرين وكأن قوله هو الفصل الذي لا يُراجع ولا يُناقش ولا يُخطَّأ
والأعجب أن بعضهم يتعامل مع كتب العلماء وكأنها نصوص مقدسة، مع أن العلماء أنفسهم لم يدّعوا العصمة، بل قرروا أن العالم بشر يصيب ويخطئ، وأن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف بالدليل
فليس الإسلام ابن تيمية وحده، ولا ابن عبد الوهاب وحده، ولا ابن عثيمين وحده، ولا الألباني وحده.
فلهم الحق أن يحترموا شيوخهم، لكن العالم لا يُقدَّس والقول يُناقش، ولا يُقدَّس والدليل يُتبع، ولا تُتبع الأسماء لمجرد أسمائها حين يتحول الدين إلى دفتر اتهامات.
تخيّل إنسانًا يدور في ذهنه جدول دائم من الكلمات: شرك، كفر، حرام، بدعة، فلان كافر، الفرقة الفلانية ضلال، زنديق، مشرك، مرتد، فاسق، مبتدع، قبوري، صوفي، جهمي، معطل… وهلم جرًّا مع أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما. رواه البخاري ومسلم. أي أن تهمة الكفر رجعت الى أحدهما فان كان المقول له كافرًا حقيقةً استحقها، وإلا رجعت اليه.
ومن أخطر صور التعصب أن يصبح العالم فوق النقد، وأن يتحول احترامه إلى تقديس، وأن يُرفض الدليل إذا خالف قوله. فلا أحد بعد رسول الله ﷺ معصوم من الخطأ. ومن هنا ينبغي أن نتعلم الفرق بين احترام العلماء وتقديس العلماء.
لقد كان أئمة الأمة أنفسهم أكثر الناس تواضعًا أمام الحق، وأبعدهم عن ادعاء العصمة. فإذا ظهر الدليل، لم يكن اسم العالم هو الذي يحكم الحق، بل الحق هو الذي يحكم على القول. ان أخطر ما يصيب الدين ليس اختلاف العلماء، وإنما التعصب للعلماء
وليس أخطر ما يهدد الأمة تعدد المذاهب والمدارس، وإنما أن يتحول المذهب إلى هوية قتالية، وأن يصبح المخالف عدوًا، وأن تُرفع رايات التبديع والتفسيق والتكفير حيث ينبغي أن تُرفع راية العلم والأدب والحوار.
بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد رضي الله عنه في سرية إلى قوم من جُهينة، إلى موضع يُسمى الحُرَقات. فلما وقعت المواجهة أدرك أسامة ورجلٌ من الأنصار رجلًا من القوم فلما أحاطا به قال الرجل: لا إله الا الله. فتوقف الأنصاري عنه، أما أسامة فطعنه برمحه حتى قتله. فلما عادوا وأُخبر النبي ﷺ بالواقعة، قال لأسامة: أقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فقال أسامه: يا رسول الله، إنما كان متعوِّذًا. أي قالها ليستنقذ نفسه من القتل. فقال له سيدنا رسول الله ﷺ: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ وظل النبي ﷺ يكررها على أسامة حتى قال أسامة: فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. فكيف لمن يفتى بقتل مسلم لاختلاف في اجتهاد علماء.
فليس كل من انتسب إلى مدرسة فكرية واحدًا في فهمه، ولا كل من تأثر بعالم معين يحمل بالضرورة كل أفكاره
ولا يجوز أن نقابل التعصب بتعصب مضاد. إن كنت ترفض أن يكفّرك غيرك، فلا تكفّر الناس. وإن كنت ترفض أن يصفك أحد بالضلال لمجرد اختلافك معه، فلا تجعل الاختلاف سببًا لوصف الآخرين بالضلال وإن كنت تطلب من غيرك احترام مذهبك، فاحترم حق غيرك في أن يختلف معك.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الصراخ في المساجد والمنابر ووسائل التواصل، ولا إلى مزيد من تصنيف الناس في كل مسألة خلافية. نحن بحاجة إلى علم يورث خشية، وفقه يورث رحمة، وعقيدة تهذب السلوك، وخلاف تحكمه الأخلاق.
وقد يقول لك أحدهم بكل ثقة: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا. فنقول: نعم، لقد كان رسول الله ﷺ أسوة حسنة. ولكن فلنسأل أنفسنا: ماذا تعني الأسوة؟
هل تعني أن نقتدي به في لحيته وثوبه وهيئته فقط، ثم ننسى عدله ورحمته وتواضعه وصبره وعفوه وحسن خلقه؟
هل تعني أن نحفظ تفاصيل المظهر، ثم ننسى جوهر الرسالة؟
إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الأسوة في رسول الله ﷺ شعارًا يُرفع، وإنما جعلها منهجًا يُعاش
فكان ﷺ رحيمًا، عادلًا، صادقًا، أمينًا، متواضعًا، حليمًا، يعفو ويصفح، ويجادل بالتي هي أحسن، ويحفظ للناس كرامتهم، ويأمر بالعدل والإحسان. فهذه هي الأسوة التي ينبغي أن تظهر في المسلم قبل أن تظهر في مظهره.
فما قيمة ثوب قصير إذا كان اللسان طويلًا في أعراض الناس؟ وما قيمة اللحية إذا كان القلب ممتلئًا كِبرًا واحتقارًا للمخالف؟ وما قيمة كثرة الحديث عن السنة إذا كان صاحبها لا يعرف الرحمة؟ وما قيمة أن تُحسن الحديث عن التوحيد، ثم تسيء إلى عباد الله؟
الدين ليس مظهرًا بلا جوهر، ولا شعارًا بلا سلوك، ولا معلومات تحفظها الذاكرة بينما يخلو منها القلب والعمل
الله الذي أمر بالصلاة أمر بالعدل. والذي أمر بالصيام أمر بحفظ اللسان. والذي أمر بالزكاة نهى عن المن والأذى. والذي أمر بالتوحيد أمر بالإحسان إلى الناس. والذي نهى عن الشرك نهى أيضًا عن الظلم والكذب والغيبة والسخرية والتجسس والتنابز بالألقاب.
فأين نحن من هذا كله؟
إذا أردنا أن نعرف حقيقة الأسوة، فلننظر إلى القرآن وما يربي عليه من أخلاق وسلوك:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ – ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ – ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ – ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ – ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ – ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ – ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ – ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ – ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ – ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ – ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ – ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ – ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ – ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ – ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ – ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ – ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ – ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾- ﴿كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ – ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾
فإذا كان هذا هو القرآن الذي جاء به سيدنا رسول الله ﷺ، وهذه هي الأخلاق التي دعا إليها، فكيف أصبح التدين عند البعض مشروعًا لمراقبة الناس وتصنيفهم والحكم عليهم؟
أين العدل؟ أين الرحمة؟ أين التواضع؟ أين حسن الظن؟ أين حفظ اللسان؟ أين كرامة الإنسان؟ أين تزكية النفس؟
ربما يستطيع الإنسان أن يجيب عن عشرات الأسئلة في العقيدة. وربما يستطيع أن يسرد عشرات الكتب وأسماء العلماء. وربما يستطيع أن يخبرك من هو المبتدع، ومن هو المشرك، ومن هو الضال. لكن السؤال الأصعب ليس: من هو المبتدع؟ ومن هو المخالف؟ من هو الذي أخطأ؟
السؤال الأصعب هو: ماذا فعل هذا العلم بقلبك؟ هل جعلك أرحم؟ هل جعلك أصدق؟ هل جعلك أكثر تواضعًا؟ هل جعلك أعدل مع من يخالفك؟ هل جعلك تخاف ظلم الناس كما تخاف الوقوع في الخطأ العقدي؟ هل جعلك تنشغل بإصلاح نفسك قبل إصلاح الآخرين؟
فإذا كان علمك يزيدك احتقارًا للناس، وتدينك يزيدك قسوة، وعقيدتك تزيدك كبرًا، ومعرفتك بالمذاهب والفرق تجعلك سريع الاتهام والتبديع والتكفير، فماذا بقي من روح الدين؟
إن أعظم معركة يخوضها الإنسان ليست مع أخيه المسلم، وإنما مع نفسه وهواه وكِبره وغروره
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
فابدأ بنفسك. طهّر قلبك. أصلح لسانك. اعدل مع مخالفك. ارحم من حولك. واعلم أن الله لم يجعلك حارسًا على قلوب الناس، ولا وكيلًا عنه في محاكمة عباده
فآفة الدين ليست في اختلاف المذاهب، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى تعصب، والتعصب إلى كراهية، والكراهية إلى تكفير، والتكفير إلى استباحة للناس وأعراضهم وحينها لا تكون المشكلة في قلة العلم، بل في: علمٍ فقد روحه، وتدينٍ فقد رحمته، وخلافٍ فقد أدبه.
نسأل الله أن يردّنا جميعًا إلى جوهر الدين: إخلاصًا بلا رياء، وعلمًا بلا تعصب، وعقيدةً بلا غلو، وخلافًا بلا كراهية، وتدينًا يثمر رحمةً وأخلاقًا وسلامًا. فالدين ليس معركةً لإثبات أننا أفضل من الآخرين؛ الدين معركةٌ مع أنفسنا حتى نكون أفضل مما كنا
وإذا كان علمك لا يجعلك أرحم، وتدينك لا يجعلك أصدق، وعقيدتك لا تمنعك من ظلم الناس، وانتصارك لمذهبك يجعلك تحتقر عباد الله، فتوقف لحظة واسأل نفسك: ماذا بقي من روح الدين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *