14 أغسطس، 2026
البترول مقالات

المهندس عاطف موسى يكتب: بين الشعارات والميدان.. كيف نحول السلامة في قطاع البترول والتعدين من إجراءات شكلية إلى حماية حقيقية؟

طالعت باهتمام مقال الكاتبة سمر العربي حول “نزيف قطاع البترول وشعارات السلامة والصحة المهنية”. والحقيقة أن المقال يلمس جرحاً حقيقياً يعاني منه القطاع الهندسي والصناعي، وهو الفجوة الكبيرة بين الخطاب الاستراتيجي والخطط النظرية من جهة، والممارسة العملية الميدانية من جهة أخرى.
كخبير قضى عقوداً في إدارة المشاريع الهندسية والتشغيلية في قطاع الطاقة، أؤكد أن المشكلة لا تكمن في غياب الاستراتيجيات ولا المحاور المعلنة، بل في كيفية فهم وتطبيق السلامة والصحة المهنية على أرض الواقع.
أولاً: أصل المشكلة.. السلامة المهنية ليست مجرد “خوذة وأفرول”
أصابت الكاتبة تماماً في تساؤلها عن اختزال السلامة في “الزي الرسمي للحقول”.
في عالم الهندسة والمشاريع، هناك فارق جوهري يجهله الكثيرون بين مفهومين:
* السلامة المهنية السلوكية (Occupational Safety): وهي المتعلقة بارتداء مهمات الوقاية (PPE) والتزام الأفراد بالتعليمات المباشرة. هذا المستوى حتمي، ولكنه يقع في أدنى هرم التحكم في المخاطر (Hierarchy of Controls)، ولا يحمي من الكوارث الكبرى.
* سلامة العمليات والأصول (Process & Asset Safety): وهي الأصل في حماية الأرواح والممتلكات. السقوط الصخري في الأنفاق، أو حوادث البوارج البحرية، أو انفجار الشاحنات، لا يمكن منعها بـ “خوذة وجوانتي”، بل تُمَنع عبر دراسات السلامة الهندسية (HAZOP / HAZID)، ونزاهة المعدات (Asset Integrity)، وإدارة التغيير (MoC)، وتقييم المخاطر الجيوتقنية والتشغيلية قبل البدء في أي عمل.
إن الشدة في محاسبة المهندسين على العوامل السلوكية أمر مطلوب، لكن الاعتماد على العقاب الفردي يولد ثقافة “الخوف من الإبلاغ”، مما يخفي الأخطاء الصغيرة حتى تتراكم وتتحول إلى كوارث لا قدر الله.
ثانياً: خطة عمل وحلول إجرائية للنهوض بالسلامة في القطاع
بعيداً عن تشخيص الأزمة، يحتاج القطاع اليوم إلى حلول عملية وميدانية تُترجم رؤية الوزارة إلى واقع يحمي أرواح العاملين ويحافظ على الإنتاجية:
1. التطبيق الصارم لسلامة الأصول والعمليات (Process Safety Management):
* التعدين والأنفاق: إلزام شركات التعدين (مثل منجم السكري) بإجراء فحص جيوتقني مستمر (Geotechnical & Strata Control) لضمان ثبات الأنفاق واستخدام أنظمة دعامة متطورة قبل إدخال العمالة.
* المشاريع البحرية والتجهيزية: عدم تسيير أي بارج أو وحدة بحرية إلا بعد صدور شهادة صلاحية بحرية كاملة (Marine Assurance & Warranty Survey) من جهة محايدة.
2. إدارة مخاطر النقل واللوجستيات (Road & Transport Safety):
بما أن حوادث الطرق تلتهم العدد الأكبر من الأرواح في القطاع:
* إلزام كل شركات القطاع والمقاولين بتثبيت أنظمة التتبع والرقابة اللحظية (IVMS) على كافة السيارات والشاحنات.
* تفعيل خطط إدارة الرحلات (Journey Management Plans) للحد من ساعات القيادة المتواصلة والحد من الإرهاق.
3. الانتقال إلى “ثقافة السلامة العادلة” (Just Culture):
* بدلاً من التركيز على البحث عن “كبش فداء” فور وقوع الحادث، يجب التركيز على التحقيق الفني في الأسباب الجذرية (Root Cause Analysis).
* تشجيع العمال والمهندسين على الإبلاغ عن “المخاطر وشيكة الوقوع” (Near-Misses) ومكافأتهم عليها بدلاً من معاقبتهم، لمعالجة الخلل قبل أن يتحول إلى حالة وفاة.
4. تفعيل نظام الحوافز والربط مع مؤشرات الأداء (KPIs):
* ربط تقييم رؤساء الشركات ومديري المشاريع والمقاولين بمعدلات سلامة العمليات (Process Safety Events) وليس فقط بسباق معدلات الإنتاج أو نسب الالتزام بالزي.
خاتمة
السلامة والصحة المهنية ليست رفاهية ولا مجرد محور في مؤتمر صحفي؛ بل هي عقيدة هندسية وحس إنساني وأخلاقي قبل أن تكون لائحة تعليمات. إن القطاع يمتلك من الكوادر والخبرات ما يؤهله لوقف هذا “النزيف”، بشرط أن ننزل بالسلامة من مستوى “الشعارات والزي” إلى مستوى “التصميم، والصيانة، وتطوير ثقافة بيئة العمل”.

..

المهندس عاطف موسى- خبير فى إدارة المشاريع والهندسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *