هناك مرحلةٌ خطرة في المسيرة المهنية، لا يشعر صاحبها بأنه ضعيف… بل على العكس تمامًا؛ ينتابه شعورٌ بالعظمة، وبأنه أصبح قويًا بما يكفي كي لا يحتاج إلى أحد!! وهنا تبدأ الكارثة!!تتراكم بعض النجاحات، وتتسع المسؤوليات، ويبدأ صوته يُسمع في الاجتماعات، فيُخيّل إليه أنه غدا «هرقل»، ويتسلل إليه اعتقادٌ خفي بأنه تجاوز مرحلة التعلّم، وأن خبرته أصبحت كافية ليشق طريقه منفردًا. ويمضي وحيدًا، ويُحلق نسرًا، لا يرى في سماء الكون من شرقه إلى غربه من يدانيه… وهنا تحديدًا يبدأ ما يُسمّى «وهم الاكتمال المهني»!!
لا يعود التوجيه بالنسبة إليه فرصةً للنضج، بل تدخلًا في شؤونه. فتبدو النصيحة تشكيكًا في قدراته، وتتحول الضوابط في عينيه إلى قيودٍ مزعجة، ويغدو كل من يخالفه عدوًا وخصمًا يجب أن ينتهي! فيقرر أن يشق طريقه بنهجه الجديد، مثبتًا استقلاله في كل موقف، حتى عندما لا يكون هناك شيء يستحق الإثبات. لكنها في نظره معركة… وهو الآن البطل، وهل من بطلٍ يستسلم أو يُهزم؟!
وهنا يقع في الفخ القاتل!!
فالثقة التي لا يرافقها وعيٌ بحدود المعرفة تنقلب سريعًا إلى غرور، والطموح حين يفقد البوصلة يغدو عَجَلةً عمياء، والرغبة في الاستقلال تستحيل داءً مريرًا قد يلقي بصاحبه إلى التهلكة!!
وقد رأيت وعرفت في الحياة المهنية من امتلكوا قدراتٍ استثنائية، لكنهم أضرموا النار بأيديهم في أشرعتهم ومجاديفهم… ثم مضوا نحو عرض البحر، حتى إذا أدركهم الغرق راحوا يستغيثون، يفتشون عن أطواق النجاة!! كل ذلك لأنهم استعجلوا الوصول؛ فخاضوا معارك كان يمكن تجاوزها فاستنزفتهم، ورفضوا نصائح كان يمكن أن تختصر عليهم سنواتٍ وسنوات، واستهلكوا طاقتهم في إثبات تفردهم ونبوغهم، وكأن على العالم أن يعترف بهما قسرًا… حتى تاهوا في منتصف الطريق!!الحقيقة التي لا غبار عليها: أن النضج المهني لا يبدأ عندما تعرف الكثير… بل عندما تعي أن ما لا تعرفه قد يكون أكثر بكثير مما تعلّمته، وأن لكل مرحلةٍ تحدياتها ومشقّتها.
لذا، أخطر ما قد يصيبك في منتصف الطريق ليس أن تشك في قدراتك… بل أن تتيقن، خطأً، أنك بلغت الكمال. وهل يوجد أصلًا في حياتنا كمال؟! هُراء!!

