سكتات سريعة في موقع العمل.. ناقوس الخطر لحماية الثروة البشرية بقطاع البترول؟
رحلوا وفي أيديهم شعلة العملِ … وعلى جباههم أثرُ السهرِ والتعبِ
لم ينهزموا في الميدانِ، بل فاضت أرواحُهم … تحت ضغوطِ الحياةِ وإجهادِ الطلبِ
لقد غادرنا كوكبة من خيرة شباب وكوادر هذا القطاع الحيوي؛ رجالٌ جمعوا بين ثقل المسؤولية الأسرية وضغوط الحياة، وبين متطلبات عمل ميداني شاق لا يعرف الهوادة. إن الوفاة المفاجئة في منصات الإنتاج وحقول الصحراء ليست مجرد رقم في سجل الحوادث، بل هي فاجعة تمزق قلوب أسر تنتظر عودة عائلها، وخسارة وطن يفقد خبرات نادرة لا تُعوض.
لم تعد الحوادث المتكررة مجرد حالات استثنائية فردية، إن الفقد المتكرر لزملاء وإخوة لنا في مختلف مواقع الإنتاج والحقول والمنصات إثر سكتات وأزمات قلبية مفاجئة، يضعنا جميعاً أمام حقيقة لا بد من مواجهتها بشجاعة: هناك إجهاد صامت يلتهم أرواح الكوادر البشرية في القطاع.
فالعنصر البشري هو عصب صناعة الطاقة والعمود الفقري لكل استثمار ناجح؛ فالمنشآت والحقول والحفارات، مهما بلغت حداثتها وتطورها التقني، تبقى أجساداً بلا روح بدون الخبرات الفنية والسواعد المخلصة التي تديرها. وفي ظل موجات هجرة الكوادر الفنية والخبرات النادرة التي يشهدها القطاع حالياً بحثاً عن بيئات عمل أفضل، يصبح الحفاظ على الكفاءات المتواجدة داخل الوطن أمراً حيوياً لا يقبل التهاون؛ لأن نزيف الخبراء بالوفاة المفاجئة أو بالهجرة يفقد القطاع أعظم ثرواته وأغلاها على الإطلاق.
لماذا يتخطف الموت المفاجئ أبناء القطاع؟
تتميز بيئة العمل البترولية بأنها بيئة عالية الضغط والإجهاد (High-Stress Environment)؛ حيث تتكامل فيها عدة عوامل تزيد من المخاطر الصحية:
• ساعات العمل الطويلة ونظام الورديات المتصل: والذي يؤدي إلى اضطراب النمط البيولوجي الطبيعي للنوم والراحة (Circadian Rhythm Shift).
• الضغط الذهني والتجانس التشغيلي: الحرص المستمر على معايير الأمان والسلامة في بيئة خطرة يضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم.
• العوامل المناخية والبيئية: التعرض للإجهاد الحراري أو تقلبات الطقس القاسية أثناء العمل الميداني.
هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى ارتفاع هرمونات التوتر وضغط الدم، وتضع عضلة القلب تحت إجهاد مستمر، مما يجعل أي قصور شرياني غير مكتشف أو بسيط يتقلب سريعاً إلى جلطات أو سكتات قلبية مفاجئة.
إن حماية أرواح العاملين والحفاظ على صحتهم ليست رفاهية ولا بنداً شكلياً في لوائح السلامة، بل هي أولوية قصوى تتقدم على كل الأرقام ومعدلات الإنتاج.
إلزامية الكشف القلبي والشامل كل 6 أشهر
• فحص عضلة القلب المباشر: إجراء رسم قلب، وموجات صوتية على القلب (Echocardiogram)، ورسم قلب بالمجهود بشكل دوري منتظم كل 6 أشهر لجميع العاملين بالمواقع الميدانية والحقول.
• تحاليل المؤشرات الحيوية: قياس نسبة السكر التراكمي (HbA1c)، وفحص الدهون الشاملة (Lipid Profile)، ومؤشرات التجلط والتلف العضلي للقلب بصفة منتظمة.
• ربط صلاحية العمل باللياقة القلبية: عدم السماح بالنزول للمواقع النائية أو استلام الورديات إلا بعد تجديد “شهادة اللياقة القلبية والبدنية”.
• توفير أجهزة الإنعاش القلبي (AED) وتدريب جميع العاملين عليها.
• نشر أجهزة إزالة الرجفان القلبي الآلية (AED) في كل موقع، مبنى، وحفار، مع تدريب مكثف للعاملين والمشرفين على الإنعاش القلبي الرئوي (CPR)، لضمان التدخل المباشر خلال “النقاط الذهبية” (أول 3 إلى 5 دقائق).
استراتيجية طويلة الأجل (بيئة عمل جاذبة وآمنة)
• إدارة الإجهاد وساعات العمل (Fatigue Management):
وضع ضوابط صارمة على تمديد ساعات العمل والورديات، وضمان فترات راحة إجبارية وكافية بين فترات التواجد بالموقع لتقليل ظاهرة الاحتراق المهني والإجهاد البدني.
• إنشاء “سجل المخاطر القلبية” (Cardiovascular Risk Registry):
متابعة العاملين الذين يعانون من عوامل خطورة (ضغط، سكر، كوليسترول، أو تاريخ عائلي) بشكل دوري وسري، وتوفير متابعة طبية وقائية خاصة بهم.
• تحسين البيئة الوظيفية والصحية:
توفير برامج دعم نفسي وبدني متكاملة داخل المواقع، وإشعارات العاملين بأن صحتهم وسلامتهم هي القيمة الأولى لدى قيادات القطاع، مما يعزز الانتماء ويحد من دوافع الهجرة والابتعاد.
كلمة أخيرة..
إن كل زميل ونفس نفقدها في الموقع تترك خلفها بيتاً يتيماً وأسرة مكلومة، وفجوة فنية وتخصصية يصعب سدها سريعة. والوقاية دائماً أقل كلفة بكثير من الخسارة البشرية التي لا تُعوض. حان الوقت لكي ننتقل جميعاً من مرحلة “تقديم التعازي” إلى مرحلة “اتخاذ القرارات الحاسمة” التي تصون أرواح وثروة مصر الحقيقية من أبناء هذا القطاع الحيوي.
حفظ الله الجميع من كل سوء، ورحم الله كافة الزملاء الراحلين.
رحم الله جميع الراحلين من شباب ورجال قطاع البترول الذين ترجلوا عن فرسانهم في ميادين العمل والإنتاج، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.

