3 نوفمبر، 2026
البترول مقالات

عبدالنبي النديم يكتب: دمج «عقول الطيور المهاجرة».. كفاءات بترولية مصرية خارج الحدود

في ظل التحديات المتسارعة التي يشهدها قطاع البترول والغاز والبتروكيماويات عالميا ومحليا، وما تفرضه المتغيرات الاقتصادية العالمية من ضرورة تطوير أساليب الإدارة وتعزيز القدرة التنافسية، تبرز أهمية إعادة النظر في آليات اختيار القيادات التنفيذية لشركات القطاع، بما يضمن الاستفادة من مختلف الخبرات والكفاءات الوطنية، سواء العاملة داخل الشركات أو المعارة للعمل في المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة، إلى جانب القيادات الوطنية الموجودة بالفعل بالقطاع وحققت نجاحات كبيرة.

فقد نجح بالفعل قطاع البترول المصري على مدار عقود في إعداد كوادر فنية وإدارية متميزة، استطاع عدد منها الوصول إلى مواقع متقدمة في منظمات دولية وإقليمية ومؤسسات متخصصة في شؤون الطاقة، وتمثل هذه الكفاءات رصيدا استراتيجيا للدولة، لما اكتسبته من خبرات تجمع بين المعرفة الفنية والرؤية الاقتصادية والاستراتيجية للأسواق العالمية، حيث تعد المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة في شؤون الطاقة من البيئات المهنية التي تتيح للعاملين بها اكتساب خبرات متنوعة، من خلال التعامل مع السياسات والاستراتيجيات البترولية، ودراسة الأسواق العالمية، والمشاركة في صياغة الرؤى المستقبلية للصناعة، على سبيل المثال لا الحصر، منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك OAPEC»، ومنتدى الدول المصدرة للغاز «GECF » وغيرهما من المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية المعنية بشؤون الطاقة.

فهذه المؤسسات تتيح للكوادر الوطنية فرصا للاطلاع على التجارب الدولية، والتفاعل مع كبار المسؤولين والخبراء وصناع القرار، والتعرف على أحدث التوجهات في مجالات البترول والغاز والبتروكيماويات وأمن الطاقة والاستدامة والتحول الطاقي، كما تتيح المشاركة في إعداد الدراسات الاستراتيجية والتقارير الفنية والاقتصادية، وتنظيم المؤتمرات والفعاليات الدولية، والتنسيق بين الدول الأعضاء والمؤسسات الصناعية والبحثية، وهو ما يسهم في تنمية مهارات التحليل والتخطيط والتفاوض وإدارة العلاقات المؤسسية، ومن ثم، فإن هذه الخبرات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها خبرات نظرية أو استشارية فحسب، بل باعتبارها رصيدا مهنيا يمكن توظيفه في تطوير الأداء التنفيذي للشركات، خاصة عندما تكون مسبوقة بخبرة عملية وإدارية داخل قطاع البترول.

والمتابع لمجال صناعة البترول والغاز عالميا، يجد أنه لم يعد نجاح رئيس الشركة مرتبطا فقط بقدرته على إدارة العمليات اليومية، بل أصبح يتطلب رؤية استراتيجية تستوعب التحولات العالمية، والقدرة على اتخاذ القرارات الاستثمارية، وتعظيم الاستفادة من الموارد، وتطوير الأنشطة وفتح أسواق جديدة، وهنا تبرز القيمة المضافة للقيادات التي جمعت بين الخبرة التنفيذية داخل الشركات والعمل في المنظمات الدولية والإقليمية، حيث تمتلك فرصة أوسع للربط بين متطلبات السوق المحلي والتطورات العالمية، والاستفادة من شبكات العلاقات المهنية في بناء شراكات جديدة ونقل التكنولوجيا وجذب الاستثمارات.

إن المسار المحمود الذي تتبعه وزارة البترول، بإعارة الكفاءات المصرية للعمل في المنظمات الدولية والإقليمية تمثل استثمارا في رأس المال البشري للقطاع، وينبغي أن تكون جزءا من منظومة متكاملة لإعداد القيادات المستقبلية، ومن غير المناسب أن تتحول سنوات الإعارة إلى سبب لابتعاد الكفاءات عن فرص الترقي أو تولي المناصب القيادية داخل القطاع، خاصة إذا كانت هذه الكفاءات قد شغلت قبل إعارتها مواقع فنية وإدارية متقدمة، ثم اكتسبت خبرات دولية إضافية، بل ينبغي أن تكون هناك آليات مؤسسية تضمن استمرار تقييم هذه الكفاءات، ومتابعة تطورها المهني، وإدراج المؤهلين منها ضمن قواعد بيانات المرشحين للمناصب القيادية، وفقا لمعايير موضوعية وشفافة.

لنضع هنا مقترحا لكيفية استفادة شركات البترول المصرية من هذه الخبرات العالمية، ولدينا الكثير من الأمثلة موجودة بالقطاع وحققت نجاحات كبيرة داخل القطاع، فهذه القيادات التي جمعت بين الخبرة المحلية والدولية من المأمول أن تسهم في تطوير الشركات من خلال وضع استراتيجيات للتوسع في الأسواق العربية والأفريقية والدولية، وبناء شراكات مع الشركات والمؤسسات الصناعية والاستثمارية العالمية، والاستفادة من التجارب الدولية في تحسين الكفاءة التشغيلية وتعظيم العائد الاقتصادي، ودعم التحول الرقمي وتطبيق أحدث التقنيات في الصناعة، وتطوير منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر والاستدامة، وتنويع الأنشطة وتعزيز القدرة التنافسية للشركات في مواجهة المتغيرات الاقتصادية، حيث تكتسب هذه الجوانب أهمية خاصة بالنسبة للشركات المصرية التي تسعى إلى تطوير نماذج أعمالها، والتوسع خارج السوق المحلي، وتعظيم الاستفادة من أصولها وخبراتها الفنية والبشرية.

ولا أريد هنا أن يأخذ حديثي عن هذه التجربة للاستفادة من هذه الخبرات المصرية الدولية، بمعني منح أفضلية تلقائية للعاملين في المنظمات الدولية والإقليمية، أو التقليل من قيمة القيادات المصرية، التي واصلت عملها داخل الشركات المصرية محققة انجازات كثيرة، وإنما أعني بحديثي هو توسيع قاعدة الاختيار لتشمل جميع الكفاءات المؤهلة لقيادة قطاع البترول في ظل التغييرات الجيوسياسية التي يمر بها العالم، فمن الممكن الاستفادة من الكفاءات الدولية في عضوية مجالس الإدارات واللجان الاستراتيجية، والمشاركة في إعداد خطط التطوير، بما يضمن نقل المعرفة وتبادل الخبرات بصورة مؤسسية ومستدامة.

إن فرضية وجود كوادر مصرية في المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة يعكس ما يمتلكه قطاع البترول من خبرات بشرية مؤهلة للمشاركة في العمل المؤسسي على المستويين الإقليمي والدولي، والقيمة الحقيقية لهذا التمثيل لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المشاركة الدولية، بل يجب أن تمتد إلى الاستفادة من الخبرات والعلاقات والمعارف المكتسبة في تطوير المؤسسات والشركات الوطنية، ومن هنا فإن إتاحة الفرصة أمام هذه الكفاءات لتولي المسؤوليات التنفيذية، بما فيها رئاسة الشركات، يمكن أن يمثل أحد المسارات المهمة لتجديد الفكر الإداري وتعزيز القدرة على التعامل مع التحديات المستقبلية، للاستفادة من هذه الثروة البشرية من خلال منظومة اختيار قيادات أكثر شمولا وانفتاحا، تضع الكفاءة والخبرة والإنجاز في مقدمة معايير الاختيار، وتتيح الفرصة أمام جميع المؤهلين للمساهمة في تطوير القطاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *