6 يوليو، 2026
أخبار مصر

من طالب في بكين إلى مستشار ثقافي… ماذا تعلمت من التجربة الصينية؟ بقلم :حسين إبراهيم المستشار الثقافي الأسبق لسفارة مصر بالصين وعميد كلية اللغات والترجمة بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.. ٠٠٠

حين يُحتفل بمرور مائة وخمسة أعوام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، قد يكتفي البعض باستعراض محطات التاريخ أو تعداد الإنجازات الاقتصادية. أما بالنسبة لي، فإن هذه المناسبة تعيدني إلى رحلة شخصية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، عشت خلالها الصين في ثلاث مراحل مختلفة، ورأيت بأم عيني كيف تتحول الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى نهضة شاملة.

وصلت إلى الصين طالبًا في مرحلة الليسانس بين عامي 1988 و1989، وكانت الصين آنذاك تمضي بثبات في بدايات سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها دنغ شياو بينغ. لم تكن ناطحات السحاب قد غيّرت ملامح المدن كما نراها اليوم، ولم تكن شركات التكنولوجيا الصينية تنافس عمالقة العالم، لكن كان هناك شيء لفت انتباهي منذ الأيام الأولى: شعور عام بأن المستقبل يُبنى ولا يُنتظر.

عدت إلى الصين مرة أخرى باحثًا للدكتوراه بين عامي 1998 و2001، فوجدت دولة مختلفة. المدن تنمو بسرعة، والجامعات تتطور بصورة لافتة، والبحث العلمي يحظى باستثمارات ضخمة، والبنية التحتية تتوسع بوتيرة غير مسبوقة. خلال تلك السنوات، أدركت أن ما يحدث لم يكن طفرة اقتصادية عابرة، وإنما تنفيذ دقيق لرؤية طويلة المدى، تُراجع باستمرار دون أن تفقد اتجاهها.

ثم كانت المرحلة الثالثة، وربما الأكثر ثراءً بالنسبة لي، عندما تشرفت بالعمل مستشارًا ثقافيًا وتعليميًا وعلميًا، ومديرًا للمكتب الثقافي والتعليمي بسفارة جمهورية مصر العربية في بكين خلال الفترة من 2014 إلى 2019. في تلك السنوات لم أكن أتابع الصين من مقاعد الدراسة، بل كنت أتعامل يوميًا مع الجامعات ومراكز الأبحاث والوزارات والمؤسسات العلمية، وأشاهد عن قرب كيف تُدار دولة يبلغ عدد سكانها أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة، وكيف تتحول الخطط إلى برامج تنفيذية، والبرامج إلى نتائج ملموسة.

وخلال هذه المراحل الثلاث، تغيرت الصين بصورة مذهلة، لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا، وهو الإيمان بالتخطيط طويل المدى. لم أجد قرارات تُبنى على ردود الأفعال، بل على دراسات وتوقعات تمتد لعقود. وكان من اللافت أن كل خطة جديدة لا تبدأ من الصفر، وإنما تبني على ما سبقها، في إطار رؤية وطنية متكاملة.

ومن أكثر ما شد انتباهي أن التعليم في الصين لا يُنظر إليه باعتباره خدمة اجتماعية فقط، بل باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الدولة. الجامعات ليست مجرد مؤسسات تمنح شهادات، وإنما مراكز لإنتاج المعرفة، وحاضنات للابتكار، وشريك رئيسي في التنمية الاقتصادية. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتقدم الجامعات الصينية عالميًا، وأن تصبح الصين مقصدًا لمئات الآلاف من الطلاب الدوليين.

كما أدركت أن البحث العلمي ليس نشاطًا أكاديميًا معزولًا، بل جزء من منظومة التنمية. فهناك ارتباط وثيق بين الجامعات، ومراكز البحوث، والصناعة، والشركات، والجهات الحكومية. هذه الحلقة المتكاملة هي التي ساعدت الصين على الانتقال من اقتصاد يعتمد على التصنيع منخفض التكلفة إلى اقتصاد يقوده الابتكار، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة.

وخلال عملي في المكتب الثقافي المصري، كنت شاهدًا على تزايد اهتمام المؤسسات المصرية بالتعاون مع الصين في مجالات التعليم العالي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والابتكار. كما لمست اهتمامًا متبادلًا بتبادل الخبرات، وهو ما يؤكد أن العلاقات بين البلدين تجاوزت إطار التجارة والاستثمار، لتشمل بناء المعرفة وتنمية القدرات البشرية.

وبطبيعة الحال، فإن التجربة الصينية ليست نموذجًا يمكن نسخه في أي دولة، فلكل مجتمع خصوصيته الثقافية والسياسية والتاريخية. غير أن هذا لا يمنع من دراسة المبادئ العامة التي قامت عليها، مثل وضوح الرؤية، والاستمرارية في تنفيذ السياسات، والانضباط المؤسسي، والاعتماد على الكفاءة، والاستثمار طويل الأجل في الإنسان.

لقد تعلمت من الصين أن التنمية ليست مشروع حكومة يتغير بتغير المسؤولين، بل مشروع دولة تشارك فيه المؤسسات كافة. وتعلمت أن بناء الطرق والمصانع لا يكفي إذا لم يصاحبه بناء للعقول، وأن أعظم ثروة تمتلكها الأمم ليست مواردها الطبيعية، وإنما الإنسان المؤهل القادر على الابتكار والإنتاج.

كما تعلمت أن قوة الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وامتلاك التكنولوجيا، والاستعداد للمستقبل. ولهذا كانت الصين تستثمر في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والفضاء، والاقتصاد الأخضر، قبل أن تتحول هذه المجالات إلى عنوان رئيسي للمنافسة العالمية.

واليوم، وبعد مرور 105 أعوام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، أرى أن أهم ما يمكن أن يتعلمه العالم من التجربة الصينية ليس نموذجها السياسي، وإنما فلسفة إدارتها للتنمية. فلسفة تقوم على الصبر، والعمل التراكمي، والتخطيط العلمي، والقدرة على مراجعة السياسات دون التخلي عن الأهداف الكبرى.

وعندما أسترجع سنوات الدراسة والعمل في الصين، لا أتذكر فقط المدن التي تغيرت أو المباني التي ارتفعت، بل أتذكر قبل كل شيء عقلية أمة قررت أن تستثمر في المستقبل، فحصدت نتائجه. وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به من تجربتي مع الصين: أن نهضة الأمم لا تبدأ من الثروة، بل من الرؤية، ولا تستمر بالقوة وحدها، بل بالعلم، وبناء الإنسان، والإيمان بأن التنمية رحلة لا تتوقف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *