10 يونيو، 2026
أخبار مصر البترول مقالات

كريمة النديم تكتب: أعظم انتصارات الحياة

فى أثناء انتظارى رول الجلسات اليوم، وبين الزحام المعتاد وأصوات المناداة على القضايا، جلس إلى جوارى رجل وقور تبدو عليه ملامح السنين والخبرة. بدأ الحديث بسؤال بسيط يتعلق بقضيته، باعتباره أحد المدعى عليهم فيها، لكن ما بدأ كسؤال عابر تحول إلى حديث من أمتع الأحاديث التى خضتها داخل أروقة المحاكم.
لفت انتباهى منذ الدقائق الأولى أنه ليس شخصًا عاديًا يتابع قضيته فحسب، بل رجل لديه معرفة قانونية حقيقية. كان يتحدث عن الإجراءات، وعن سير الدعوى، وعن الفروق بين بعض المسائل المدنية والجنائية، بل ويتناول بعض النقاط القانونية بدقة جعلتنى أسأله تلقائيًا: “حضرتك درست القانون؟”
ابتسم ابتسامة هادئة وقال: “إلى حد ما.”
ثم أخبرنى أنه يعمل بوزارة الداخلية، وأن علاقته بالقانون لم تبدأ من دراسة أكاديمية، وإنما من شغف نشأ وتطور على مدار سنوات طويلة بسبب ابنه.
ومع استمرار الحديث بدأت تتكشف لى الصورة كاملة.
فإذا بالابن محامٍ من كبار محامى القاهرة، عمل فى مكتب أحد أشهر المحامين فى مصر قبل وفاته، وله محاضرات ومرافعات واسم معروف فى الوسط القانونى. وهنا حدث المشهد الذى لن أنساه.
أخرج الأب هاتفه، لا ليُرينى صورًا شخصية أو مناسبات عائلية كما يفعل أغلب الآباء، وإنما ليُرينى مرافعات ابنه القانونية. كان يتنقل بينها بفخر واضح، يشغل مقطعًا ثم يوقفه ليشرح لى ملابسات القضية، ثم ينتقل إلى مقطع آخر، ثم إلى محاضرة قانونية، وكأنه يستعرض كنزًا ثمينًا يملكه.
ولم يكن الأمر مجرد إعجاب أب بابنه.
كان يعرف تفاصيل عمله، ويتابع مرافعاته، ويحضر له ما يستطيع من جلسات، ويناقشه فى القضايا القانونية، ويتحدث عن دفوعه وأفكاره وكأنه شريك فى رحلة نجاحه. شعرت وأنا أستمع إليه أن هذا الأب لم يكن مجرد متفرج على نجاح ابنه، بل كان جزءًا من الحكاية كلها.
كلما ذكر اسم ابنه تغيرت نبرة صوته. كانت فى عينيه تلك اللمعة التى لا يمكن تزييفها. لم أرَ فيها تفاخرًا أجوف أو استعراضًا، بل رأيت فخرًا خالصًا، نقيًا، صادقًا، صنعته سنوات من التعب والدعم والدعاء والانتظار.
وحين علم أننى أدرس القانون الجنائى حاليًا، تغير الحديث من مجرد تعارف إلى اهتمام حقيقى. أصر على أن أحصل على مرافعات ابنه كاملة، وأكد أكثر من مرة أن الاستفادة من خبراته ستكون مفيدة لى. ثم طلب رقمى، فأعطيته رقم العمل.
ولم تمضِ دقائق على مغادرته الجلسة حتى فوجئت برسائله تصل تباعًا، تحمل عشرات الملفات والتسجيلات والمرافعات والمحاضرات التى وعدنى بها. بل ولم يكتفِ بذلك، وإنما عرض علىّ زيارة المكتب فى أى وقت، والاطلاع على ما أحتاج إليه من مواد علمية أو عملية.
خلال سنوات الدراسة والعمل، قابلت محامين كثيرين، وأعضاء جهات مختلفة، واستمعت إلى قصص نجاح لا حصر لها. لكن ما استوقفنى اليوم لم يكن اسم المحامى الكبير، ولا شهرته، ولا عدد القضايا التى ترافع فيها.
ما استوقفنى حقًا هو ذلك الأب.
الأب الذى كان يتحدث عن ابنه وكأنه يتحدث عن أعظم انتصارات حياته.
الأب الذى لم يحفظ مرافعات ابنه لأنه محامٍ مشهور، بل لأنه كان فخورًا بكل خطوة خطاها.
الأب الذى شعرت وأنا أستمع إليه أن نجاح ابنه لم يكن مجرد خبر يسعده، بل قصة عاش تفاصيلها يومًا بيوم.
اليوم لم أتعلم معلومة قانونية جديدة فقط، بل رأيت أمامى معنى من أجمل معانى النجاح.
أن تصل إلى مرحلة يصبح فيها والدك فخورًا بك إلى هذا الحد…
فهذا فى حد ذاته إنجاز يستحق أن يُكتب عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *