يتساءل كثير من الناس: لماذا لا نشعر بالسعادة رغم ما نملكه من نعم؛ من صحة وأسرة ومال، بل وربما مع المحافظة على الصلاة والصيام وسائر العبادات؟
ولعل الإجابة نجدها في قصة سيدنا آدم عليه السلام. فقد أباح الله له ولزوجه الجنة كلها، يأكلان منها حيث شاءا رغدًا، ومنعهما من شجرة واحدة فقط. ومع ذلك نجح الشيطان في أن يصرف نظرهما عن كل ما أُبيح لهما، ويجعلهما يركزان على الشيء الوحيد الممنوع. إنها حيلة إبليس القديمة: تعظيم المفقود وتصغير الموجود. وهذا ما يحدث لكثير منا اليوم؛ فبدلًا من النظر إلى مئات النعم التي نعيش فيها، ننشغل بما ينقصنا. فإذا لم نملك سيارة تمنيناها، وإذا حصلنا عليها بحثنا عن منزل، ثم عن مكانة أعلى، ثم عن شيء آخر. وما إن نعتاد نعمة حتى يفقدها الشيطان بريقها في أعيننا، ويوجه أنظارنا إلى ما بعدها.
إن السعادة ليست في كثرة ما نملك، وإنما في قدرتنا على رؤية ما نملك. فالشكر يوسّع دائرة الرضا، أما التركيز الدائم على المفقود فيجعل الإنسان يشعر بالفقر ولو ملك الدنيا بأسرها.
لذلك كانت من أعظم نعم الله على العبد أن يرزقه قلبًا يرى النعم قبل النواقص، ويحمد الله على الموجود قبل أن ينشغل بالمفقود.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18].
فالسعيد ليس من يملك كل ما يتمنى، وإنما من يدرك ما أنعم الله به عليه، ويشغل قلبه بشكر النعم بدلًا من التحسر على ما فاته. فكلما امتلأ القلب شكرًا، امتلأ رضا وسعادة.
وقد أرشدتنا السنة النبوية إلى الطريق الذي يحفظ للإنسان سعادته ورضاه، فقال سيدنا رسول الله ﷺ: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم).
وهذا توجيه نبوي عظيم يحفظ للإنسان سعادته ورضاه؛ فمن اعتاد النظر إلى نعم الله عليه عاش شاكرًا مطمئنًا، أما من انشغل دائمًا بما ينقصه فلن يجد راحة، مهما كثرت بين يديه النعم.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال:
(اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ).
ومعنى وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس أن القناعة هي الكنز الحقيقي؛ فمن رضي بما رزقه الله وقسمه له استغنى عن الناس، ولم يتطلع إلى ما في أيديهم. فالغنى ليس بكثرة المال أو متاع الدنيا، بل هو غنى القلب وطمأنينته وراحته النفسية.
ومن كل ما سبق يتضح أن السعادة الحقيقية تنبع من داخل الإنسان، وليست رهينة بالظروف أو بما يملكه من متاع الدنيا. فكم من إنسان يملك الكثير ولا يشعر بالرضا، وكم من آخر يملك القليل ويعيش مطمئن النفس سعيد القلب. إن السر ليس فيما بين أيدينا من نعم فحسب، بل في قدرتنا على رؤيتها وشكر الله عليها.
فالإنسان يستطيع أن يجد السعادة في أبسط الأمور: أن يستيقظ معافى من المرض، أو أن يمشي على قدميه، أو أن يأمن على نفسه وأهله في بيته، أو أن يجد قوت يومه. وهذه النعم التي قد نعتادها هي عند غيرنا أحلام يتمنونها.
ولذلك بيّن لنا سيدنا رسول الله ﷺ مقومات السعادة الحقيقية بقوله: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا). فمن رزقه الله الأمن والعافية والكفاية فقد حاز أعظم نعم الدنيا، وإن لم يملك من زخارفها شيئًا كثيرًا.
فالسعادة ليست في أن نحصل على كل ما نريد، وإنما في أن نرضى بما قسم الله لنا، وأن نرى نعمه التي تحيط بنا في كل لحظة. وكلما امتلأ القلب شكرًا لله، امتلأ رضا وطمأنينة وسعادة.
قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
فالشكر يجلب المزيد من النعم، والرضا يورث راحة القلب، ومن جمع بين الشكر والرضا فقد نال نصيبًا وافرًا من السعادة في الدنيا، ورجا السعادة الأبدية في الآخرة.

