19 أكتوبر، 2026
مقالات

تهامي كرم يكتب: “مصر حين تسبق الخطر… أمن السعودية في قلب الحسابات المصرية”

ليست حدود الأوطان خطوطا تنتهي عندها مسؤولية الدولة، ولا أسوارا إذا أغلقتها على نفسها أمنت ما وراءها؛ فالجغرافيا ترسم حدود الأرض، أما السياسة فترسم دوائر الخطر والمصلحة والمصير. وقد يأتي التهديد من وراء البحار، ويبدأ في أرض بعيدة، ثم لا يلبث أن يجد طريقه إلى قلب الوطن؛ لأن النار لا تستأذن المسافات قبل أن تحمل إليها الرياح شررها.
ولهذا لا تنتظر الدول التي تحسن قراءة التاريخ حتى يصبح الخطر واقعا على أبوابها؛ فهي ترى في مقدماته ما قد لا يراه غيرها، وتقرأ في اضطراب الجوار احتمالات الغد، وتدرك أن بعض الأخطار لا تُدفع عند وصولها، بل عند أول خطوة تتخذها في الطريق إليها.
ومن هنا تبدأ الحكاية: حين يصبح الدفاع عن الشقيق وجها من وجوه الدفاع عن الوطن، وحين لا يكون النظر إلى ما وراء الحدود انصرافا عن الداخل، بل حماية له قبل أن تبلغه العاصفة.

مصر والسعودية… جغرافيا المصير :

إن العلاقة بين مصر والمملكة العربية السعودية أعمق من أن تختصرها حسابات المصالح العابرة، وأرسخ من أن تزعزعها تقلبات السياسة؛ فبين البلدين تاريخ من التعاون، ومصالح استراتيجية متشابكة، وموقع جغرافي يجعل استقرار أحدهما عنصرا مؤثرا في استقرار الآخر.
والبحر الأحمر الذي يصل ضفتيهما ليس مجرد صفحة زرقاء بين شاطئين، بل شريان من شرايين الأمن الإقليمي، وممر تتصل سلامته بالتجارة والطاقة والملاحة. وقناة السويس ليست ممرا مائيا فحسب، وإنما أحد مفاتيح المكانة الاستراتيجية المصرية؛ وما يصيب طرق الملاحة من اضطراب قد يتجاوز أثره حدود البحر إلى الاقتصاد والأمن وحياة الناس.
ومن يظن أن ما يجري في الجزيرة العربية شأن بعيد عن القاهرة، كمن يتصور أن اضطراب النهر لا يعني من يسكن عند مصبه؛ فالأحداث قد تفصل بينها المسافات، لكن النتائج كثيرا ما تجمعها المصائر.
إن أمن السعودية ليس بديلا عن أمن مصر، ولا أمن مصر تابع لأمن السعودية؛ إنما هما مصلحتان وطنيتان مستقلتان، تتقاطعان عند حقائق الجغرافيا وضرورات الاستقرار. ومن يفهم هذا التقاطع يدرك أن حماية مصالح الشقيق قد تكون، في ظروف محددة، خط دفاع متقدما عن مصالح الوطن.
لكن بين فهم الخطر والتسرع في مواجهته مسافة لا يقطعها إلا العقل، وبين واجب التضامن وإغراء المغامرة شعرة لا يجوز أن تقطعها الحماسة.

قوة تمنع الحرب… لا قوة تستدعيها :

إذا اقتضت الضرورات مشاركة مصرية في حماية المملكة، فإن جوهر هذه المشاركة ينبغي أن يكون واضحا: مهمة دفاعية محددة، تستند إلى تقدير استراتيجي دقيق، وتخضع للشرعية الدستورية، وتلتزم حدودها المقررة، ولا تتحول إلى اعتداء على اليمن أو غيره.
فحماية دولة لا تقتضي بالضرورة مهاجمة دولة أخرى، والوقوف في وجه العدوان لا يمنح أحدا حق توسيع دائرة الحرب. وليس من الحكمة أن نطفئ حريقا بإشعال حريق آخر، ولا من حسن التدبير أن نحمي باب الدار بينما نترك النيران تلتهم البيوت المحيطة بها.
واليمن، مهما تعقدت أزماته وتعددت أطراف الصراع فيه، ليس كتلة واحدة تختزل في موقف فصيل مسلح، ولا يجوز أن يصبح شعبه خصما جماعيا بسبب أفعال لا يتحمل مسؤوليتها كل أبنائه. فالعدل الذي نطلبه لأنفسنا لا يستقيم أن نحجبه عن غيرنا، والأمن الذي نحرص عليه لأوطاننا لا ينبغي أن يكون ذريعة لترويع الشعوب.
إن الجيوش القوية لا تحتاج إلى اختلاق الأعداء كي تثبت قوتها، والدول العظيمة لا تقيس نجاحها بعدد الجبهات التي تفتحها، بل بقدرتها على حماية مصالحها ومنع خصومها من فرض إرادتهم عليها.
فالقوة التي لا يضبطها العقل قد تتحول من ضمانة للأمن إلى عبء عليه، أما القوة التي تقودها الحكمة فتستطيع أن تجعل من احتمال الحرب وسيلة لمنع وقوعها.
وهنا تكمن الفلسفة الحقيقية للردع: أن يعرف الخصم أن العدوان لن يمر بلا حساب، وأن تعرف الدولة في الوقت نفسه أن غايتها ليست القتال لذاته، وإنما حماية مصالحها بأقل كلفة ممكنة، وإبقاء أبواب التسوية مفتوحة ما دام للسلام طريق.

لا تجعلوا دماء الجنود حبرا على أوراق السياسة :

وليس في استحضار دروس الماضي انتقاص من شجاعة الجيش المصري، بل هو من تمام الوفاء له. فقد دفع المصريون عبر تاريخهم أثمانا باهظة للحروب، وعرفوا أن البطولة التي تصنعها التضحية لا تعفي أصحاب القرار من واجب الحساب والتقدير.
والتاريخ لا يطلب منا أن نعيش أسرى أخطائه، وإنما أن نتعلم منها؛ فالأمم التي تنسى كلفة قراراتها قد تجد نفسها تدفع الثمن مرة أخرى، والأمم التي تواجه ذاكرتها بشجاعة تستطيع أن تحول الألم القديم إلى بصيرة تحمي المستقبل.
وليس كل تحرك عسكري مغامرة، كما أن كل امتناع عن القتال ليس حكمة؛ وإنما الميزان هو الضرورة، والهدف، والوسيلة، والنتيجة المتوقعة. فقد يكون التقدم ضرورة لا مفر منها، وقد يكون التريث أشجع من الاندفاع، وقد يكون أعظم الانتصارات أن تُحسم المعركة في حسابات الخصم قبل أن تبدأ في الميدان.
فليس أشجع القادة من يستطيع إدخال جيشه إلى الحرب، وإنما من يعرف لماذا يدخله، وبأي غاية يقاتل، وأين تقف حدود مهمته، وكيف يعيده إلى وطنه بعد أن يؤدي واجبه.
والجندي المصري ليس رقما في بيان عسكري، ولا تفصيلا عابرا في حسابات السياسة؛ إنه ابن له أم تنتظر، وأب يرجو عودته، وبيت يستمد طمأنينته من صوته عند الباب. وما يبدو على الخرائط سهما يتحرك من نقطة إلى أخرى، هو في حياة الناس رحلة إنسان قد يدفع من عمره ودمه ثمن قرار لا يملك صنعه.
لذلك فإن احترام الجيش لا يكون بالهتاف له وحده، بل بصون حياته، وحسن إعداد مهماته، وتحديد أهدافه، وعدم تحميله ما لا تقتضيه مصلحة الوطن. والثقة بالمؤسسات لا تتعارض مع السؤال المسؤول؛ بل إن القرار الذي يستند إلى وضوح الغاية ودقة الحساب يكون أقدر على الصمود أمام الأحداث.
فدم الجندي أمانة في أعناق صانعي القرار، وليس من الوفاء للتضحيات أن نمجدها بعد وقوعها إذا كان في وسع الحكمة أن تجنبنا بعضها قبل وقوعها.

مصر… حين تتكلم القوة بلغة السياسة :

غير أن القضية لا تقف عند حدود الحماية العسكرية؛ فثمة سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الأمن العربي: من يملك قرار الحماية؟ ومن يحدد أثمانها؟ وكيف تستطيع دول المنطقة أن تصون أمنها من دون أن يصبح اعتمادها على القوى الخارجية بابا ينتقص من استقلال إرادتها؟
إن الدول التي تعجز عن حماية مصالحها تترك فراغا لا يبقى خاليا طويلا؛ فالقوى الكبرى لا تتحرك في الفراغ بدافع العاطفة، وإنما وفق حساباتها ومصالحها. وقد تبدأ العلاقة بعرض للحماية، ثم تتسع المطالب حتى يصبح القرار الوطني نفسه جزءا من الثمن.
ومن هنا تبرز ضرورة بناء قدرة عربية حقيقية على حماية المصالح المشتركة، قدرة لا تقوم على الشعارات، بل على التعاون والتنسيق والثقة المتبادلة، وتحفظ لكل دولة سيادتها وحقها في اختيار ما يلائم مصالحها.
ولمصر في هذا الميدان ثقل لا تصنعه الأسلحة وحدها؛ فهي دولة ذات موقع استراتيجي مؤثر، وخبرة سياسية متراكمة، وعلاقات تمتد إلى أطراف متباينة. وهذه العناصر تمنحها فرصة للمساهمة في بناء التوازن الإقليمي، شريطة أن تستخدم قوتها باعتبارها أداة لتحقيق غايات سياسية واضحة، لا بديلا عن السياسة نفسها.
فالدولة التي تستطيع مخاطبة المتخاصمين قد تفتح من أبواب الحل ما تعجز عنه المدافع، والتي تحتفظ بقنوات اتصال مع المختلفين معها لا تتنازل بذلك عن مصالحها، بل توسع قدرتها على التأثير فيهم.
وليس معنى التواصل أن تتساوى المواقف، ولا أن تزول الخلافات، وإنما أن تبقى للدبلوماسية مساحة تتحرك فيها قبل أن تحتكر البنادق المشهد كله.
فليست السياسة أن تعرف كيف تنتصر على خصمك فحسب، بل أن تعرف كيف تمنع خصومتك معه من التحول إلى كارثة على الجميع.
وإذا كان لمصر أن تسهم في حماية السعودية، فإن من أدوارها التي لا تقل أهمية أن تعمل على منع اتساع الصراع، وأن توظف علاقاتها وقدرتها على التواصل في البحث عن مخرج يحفظ الحقوق ويوقف نزيف الدماء.
ذلك أن الحرب قد تبدأ بهدف محدود، ثم تفرض عليها الوقائع أهدافا جديدة؛ وقد يدخلها أصحاب القرار وهم يظنون أن نهايتها قريبة، فإذا بها تفتح أبوابا لم تكن في حساباتهم. أما الدبلوماسية الناجحة فتسعى إلى ضبط مسار الأزمة قبل أن تفقد الأطراف قدرتها على التحكم فيها.
إن أعظم ما تستطيع مصر تقديمه للمنطقة ليس أن تكون طرفا إضافيا في حرب، بل أن تكون قوة تجعل الحرب أقل احتمالا، والسلام أكثر إمكانا.

الوفاء للأشقاء… لا يعني الارتهان للعاطفة:

وللتضامن المصري السعودي جذور في التاريخ لا تحتاج إلى المبالغة كي تستحق التقدير. فقد وقف الملك فيصل بن عبد العزيز موقفا تاريخيا في دعم مصر خلال حرب أكتوبر 1973، وشهدت مراحل مختلفة من تاريخ البلدين مواقف للتعاون والمساندة المتبادلة.
وهذه الصفحات ليست مجرد ذكريات نستدعيها في المناسبات، بل شواهد على قيمة التضامن حين يتحول إلى فعل. غير أن الوفاء الحقيقي لا يعني أن تتحول مواقف الأمس إلى التزام أعمى بقرارات اليوم؛ فلكل ظرف حساباته، ولكل أزمة طبيعتها، وللوطن حق لا يجوز أن يغيب وسط حرارة الامتنان.
إن الأخوة بين الدول ليست عقدا لتبادل المخاطر بلا تقدير، وإنما شراكة في صون المصالح، وتعاون في مواجهة التهديدات، وتناصر لا يلغي استقلال القرار.
ومن ثم، فإن مصر لا تخدم السعودية إذا دفعتها العاطفة إلى قرار لا تحكمه الضرورة، كما لا تخدم أمنها إذا تركت مصالحها عرضة للخطر خوفا من تحمل المسؤولية. إنما يكون الوفاء راشدا حين يجتمع فيه صدق الموقف إلى حكمة التدبير، والشجاعة إلى حسن التقدير.
وليس على مصر أن تعادي اليمن لتثبت إخلاصها للسعودية، ولا أن تخاصم إيران لتؤكد استقلالها؛ فالدول لا تُدار بمنطق الصداقات الشخصية والعداوات المطلقة، وإنما بميزان المصالح والحقوق والمخاطر.
إن الدولة القوية هي التي تستطيع أن تحمي صديقها دون أن تمنح خصومه حق تحديد سياستها، وأن تواجه التهديد دون أن تفقد قدرتها على الحوار، وأن تفي بالتزاماتها دون أن ترهن مستقبلها لأحد.

الوطنية التي تعرف قيمة الحياة :

ومن حق المصري أن يعتز بجيشه، وأن يثق في قدرة رجاله على أداء واجبهم، وأن يرفض كل تهديد يمس أمن بلاده. لكن من حقه كذلك أن يعرف أن القرارات العسكرية لا تُتخذ بالشعارات، وأن حماية الوطن تبدأ بتقدير المخاطر، وتحديد الأهداف، ووضوح المسئوليات، والالتزام بالقواعد الدستورية.
فالوطنية ليست أن نصفق قبل أن نفهم، ولا أن نرفض قبل أن نعرف؛ إنها أن نضع مصلحة مصر فوق ضجيج الانفعال، وأن نمنح العقل حقه في السؤال، وأن ندرك أن القرار الذي يتعلق بحياة الجنود ومستقبل الدولة أكبر من أن يُختزل في منشور متداول أو عبارة حماسية.
وليس في ذلك ضعف ولا تشكيك، بل هو الوجه الناضج للانتماء؛ فالذي يحب وطنه لا يريد له مجرد انتصار عابر، وإنما يريد له أمنا مستداما، واقتصادا قادرا على النهوض، وجيشا قويا، وقرارا مستقلا، وأبناء يعودون من ميادين الواجب سالمين.
إن مصر لا تحتاج إلى مغامرة كي تثبت مكانتها، ولا إلى عداوات جديدة كي تؤكد استقلالها. إنها تحتاج إلى قرار يعرف قيمة القوة وحدودها، ويوازن بين واجب الحماية وكلفة المواجهة، ويجعل مصالح المصريين معيارا لا يغيب عن أي حساب.

مصر التي نريدها:

إن مصر التي نريدها ليست دولة تنكفئ خلف حدودها حتى يفاجئها الخطر، ولا دولة تندفع وراء كل أزمة حتى تستنزف طاقتها؛ إنها دولة ترى ما وراء الأفق، وتتحرك حين تقتضي الضرورة، وتعرف أن السيادة ليست في كثرة المعارك، بل في امتلاك القدرة على اختيارها.
نريدها دولة لا تتخلى عن أشقائها، ولا تصنع عداوات بلا ضرورة؛ تحمي مصالحها من دون أن تتخلى عن مبادئها، وتستخدم قوتها من دون أن تستسلم لإغرائها، وتدرك أن مكانتها لا تُقاس بما تستطيع تدميره، بل بما تستطيع حمايته وإنقاذه.
فإذا استدعت الظروف تحركا خارج الحدود، وجب أن تكون الغاية واضحة، والمهمة محددة، والشرعية قائمة، والعودة إلى السلام جزءا من الخطة منذ لحظتها الأولى. أما الحرب التي تدخلها الدول من دون أن تعرف كيف تنهيها، فليست دليلا على القوة، بل امتحان قد يكشف حدودها.
إن الجغرافيا قد تفرض على مصر أن تنظر بعيدا، لكن الحكمة تفرض عليها أن تحسب جيدا؛ والتاريخ قد يستدعي منها موقفا، لكن المستقبل يطالبها بأن تزن عواقبه. وبين الواجب والحساب تقف الدولة الرشيدة، فلا تفرط في أمنها، ولا تفرط في دماء أبنائها.
فالمجد ليس أن تبلغ جيوشنا أرضا بعيدة، وإنما أن تبلغ حكمتنا أبعد من الخطر؛ وأن نحمي أشقاءنا دون أن نفتح أبواب العداوة، ونصون أمننا دون أن نبدد سلامنا، ونثبت قدرتنا على الحرب دون أن نفقد قدرتنا على منعها.
تلك هي مصر التي تستحقها الأجيال: قوية لا تستعرض قوتها، حكيمة لا تتنازل عن حقها، وفية لا ترهن قرارها، شجاعة لا تغامر بأبنائها، وقادرة على أن تجعل من مكانتها جسرا للسلام لا ممرا إلى حرب جديدة.
حفظ الله مصر وجيشها، والسعودية وأهلها، واليمن وشعبه، وجنب أوطاننا الفتن والحروب، وألهم قادتها بصيرة ترى العواقب قبل وقوعها، وحكمة تجعل القوة سياجا للسلام، والوفاء طريقا إلى الاستقرار، وحياة الإنسان غاية كل قرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *