1 سبتمبر، 2026
مقالات

تهامي كرم يكتب : “ضجيج السفح لا يطفئ نور القمم “

ثمة أناس إذا ضاقت بهم أنفسهم، اتسعت ألسنتهم؛ وإذا خلا باطنهم من الزاد، امتلأ ظاهرهم بالضجيج.
فهم كالأرض البور، كلما افتقدت المطر، أثارت الغبار.

ومن عجيب أمر الإنسان أن بعض النفوس إذا عجزت عن الصعود، لم تفكر في أن ترتقي، وإنما تفكر في أن تُسقط من ارتفع. فإذا رأوا في الطريق قدما ثابتة، حاولوا أن يلقوا أمامها الحجارة، وإذا أبصروا في الأفق نجما ساطعا، تمنوا لو استطاعوا أن يحجبوه بسحابة من الكلام.

فالفارغون أكثر الناس حديثا، والتافهون أشدهم انشغالا بغيرهم؛ لأن من امتلأت حياته بالعمل لا يجد فراغا يسكب فيه حياة الآخرين.

صاحب الرسالة يحمل همها، وصاحب الإنجاز تحمله آثاره، وصاحب الهمة يطارد غايته كما يطارد الظمآن مورد الماء؛ أما من أعوزه المعنى في حياته، فقد يجعل من عيوب الناس خبزه اليومي، ومن أخبارهم مجلسه الدائم، ومن انتقاصهم لنفسه عزاء.

ترى أحدهم لا يملك في صحيفة عمله إلا فراغا، ثم يحمل على صدره ديوان مآخذ الآخرين؛ لا يقدم مشروعا، ولكنه يجيد هدم المشاريع؛ لا يحمل حلا، ولكنه يتفنن في تعداد المشكلات؛ لا يمد يدا للبناء، وإنما يقف خلف الجدار يراقب البنّائين، فإذا ارتفع البناء حجره الأخير، جاء يبحث عن شق في جدار لم يضع فيه حجرا واحدا.

إنه الناقد الذي لا يصلح، والمعترض الذي لا يقترح، والمتربص الذي لا ينجز.

وقد ترى من يفرط في واجبه، ويتأخر عن عمله، ويثقل على المكان الذي ائتمنه، ثم إذا رأى يد المجتهد تبني، ولسان المخلص يدافع، وعزم النشيط ينجز، استيقظ فيه ناقد متحفز؛ فيبحث عن نقص هنا، أو هفوة هناك، ليطفئ شيئا من وهج إنجاز لم يستطع أن يصنع مثله.

وهكذا يصبح نجاح الآخرين مرآة تكشف ما حاول طويلا أن يخفيه عن نفسه.

فليس كل من انتقد إنجازا كان أقدر على الإنجاز، وليس كل من اكتشف عيبا كان قادرا على بناء ما هو أكمل منه.

وأشد عجبا من ذلك أن يتخذ بعضهم من الحديث عن الحلال والحرام منبرا، وهو أحوج الناس إلى أن يقف طويلا أمام مرآة ضميره؛ فالورع ليس ثوبا يلبس في المجالس، ولا كلمات تتردد على الشفاه، وإنما هو أمانة تؤدى، وعمل يتقن، وحق لا يضيع، ورزق يتحرى صاحبه أن يكون طيبا مباركا.

فمن لم يحلل رزقه بعمله، لا يغنيه أن يملأ فمه حديثا عن الحلال.

إن الحلال لا يكون شعارا يرفع، وإنما سيرة تعاش؛ ومن أراد أن يعظ الناس بميزان الدين، فليبدأ أولا بوزن نفسه بميزانه.

ثم إن بعض الناس يظنون أن خفض قدر الآخرين يرفع قدرهم، وما علموا أن النجمة لا تحتاج إلى إسقاط نجمة أخرى كي تلمع، وأن الورد لا يزداد عطرا إذا حاول أن ينتزع عطر غيره.

النفوس الكبيرة تتنافس في البناء، والصغيرة تتنافس في الهدم.
والكبار يصنعون لأنفسهم مكانا، والصغار يحاولون أن يسرقوا من الآخرين مكانهم.

فإذا سمعت من يكثر الحديث عنك، فلا تسارع إلى الغضب؛ فقد يكون بعض الكلام شهادة لا يدري صاحبها أنه يؤديها.

فحين يعجزون عن بلوغ أثرك، يتحدثون عن أثرك.
وحين لا يستطيعون مجاراة خطوك، يراقبون خطواتك.
وحين لا يملكون إنجازا ينافس إنجازك، يبحثون عن ثغرة فيه.

وهنا تعرف أن بعض الضجيج ليس إلا صدى للفراغ، وأن بعض الانتقاص ليس إلا اعترافا عجز صاحبه عن النطق به صراحة.

فدعهم يقولون.

لا تجادل الريح، ولا تلاحق الصدى، ولا تنزل من قمتك لتشرح للسفح لماذا ارتفعت.

امض في طريقك هادئا؛ فإن الجبال لا تهتز لأن عابرا صاح في واديها، والشمس لا تستأذن الغيوم كي تشرق، والنهر لا يقطع مسيره ليقنع حجرا بأنه يجري.

دع عملك يتحدث، ودع أثرك يشهد، ودع الأيام تفصل بين من كان يبني ومن كان يثرثر حول البناء.

فما أكثر الذين ملؤوا الدنيا كلاما، ثم لم يتركوا فيها حجرا واحدا!

وما أقل الذين صمتوا، ثم تركوا وراءهم ما تتحدث عنه الأجيال.

فالقيمة لا تصرخ لتثبت وجودها، والقمم لا تنحني لتسمع ضجيج السفح.

ومن أراد أن يبلغ القمة، فليصعد إليها بقدميه…

أما ألسنة السفح، فمهما طال صخبها، فلن تبلغ القمم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *