في مصانع الأسمدة، لا تقتصر قيمة الموظف الخبير على المهام المسجلة في وصفه الوظيفي. هناك معرفة تتكون مع سنوات العمل: كيف يقرأ المؤشرات، ومتى ينتبه إلى تغير يبدو صغيرًا، وكيف يتصرف عند تعقّد موقف فني، وكيف يربط بين قرار في موقعه وأثره على بقية مراحل الإنتاج. بعض هذه المعرفة موثق، وبعضها لا ينتقل كاملًا إلا بالعمل إلى جواره.
ولهذا، فإن اقتراب أحد أصحاب الخبرات من التقاعد، أو انتقاله إلى موقع آخر، يطرح سؤالًا يتجاوز اسم من سيشغل مكانه: هل أُعِدّ بديل قادر على أداء الدور بالكفاءة المطلوبة؟
أعاد طرح وزارة البترول والثروة المعدنية لتطوير منظومة التعاقب الوظيفي هذا السؤال إلى الواجهة. فقد ركز الطرح على توسيع دائرة اكتشاف الكفاءات، وتقييم أدائها، وإعدادها لتحمل مسؤوليات أكبر وفقًا للجدارة والجاهزية. ورغم أن الآلية المطروحة تخص قطاع البترول، فإنها تفتح نقاشًا مفيدًا لصناعة الأسمدة حول كيفية الحفاظ على الخبرة وإعداد من يواصل العمل بعد أصحابها.
التعاقب الوظيفي، في جوهره، هو الاستعداد المبكر لشغور الوظائف المؤثرة في أداء المؤسسة، من خلال تحديد متطلبات كل وظيفة وإعداد أشخاص يمكنهم تولّيها عند الحاجة. وفي مصنع للأسمدة، لا تتعلق هذه الجاهزية بالمناصب القيادية وحدها؛ فهناك مواقع فنية وإدارية يصعب تعويض خبرتها سريعًا، وقد يؤثر غياب شاغليها في انتظام العمل.
قد تملك الشركة هيكلًا تنظيميًا واضحًا، وبرامج تدريب، وموظفين مؤهلين. لكن ذلك لا يكفي وحده لإثبات جاهزية البديل. فمعرفة مهام الوظيفة تختلف عن القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية في ظروف العمل الفعلية. ومن هنا يصبح إعداد الصف الثاني مسارًا مستمرًا للتعلم والممارسة والتقييم، يبدأ قبل اقتراب موعد انتقال شاغل الوظيفة أو تقاعده.
وتتطلب صناعة الأسمدة فهمًا للعلاقات بين الإنتاج والصيانة والمعامل والسلامة والمخازن والمشتريات والتسويق. فقد يعرف المهندس معداته جيدًا، لكنه يحتاج، قبل تولي مسؤولية أوسع، إلى خبرة في تخطيط الصيانة وإدارة الموارد والتنسيق مع الإدارات الأخرى. وقد يمتلك موظف في إحدى الإدارات المساندة قدرات تنظيمية وتحليلية متميزة، لكنه يحتاج إلى فهم أقرب لطبيعة التشغيل حتى تصبح قراراته أكثر ملاءمة لاحتياجات المصنع.
هنا يمكن توظيف التدوير الوظيفي المنظم بوصفه إحدى أدوات التأهيل، إلى جانب التكليفات المحددة والمشاركة في فرق العمل المشتركة. وليس المقصود نقل العاملين بين الإدارات لمجرد الانتقال، بل منح من تسمح طبيعة عمله بذلك خبرة مرتبطة بمساره المستقبلي. ولكل تجربة هدف ومدة ومشرف ومعيار واضح لتقييم ما تعلمه الموظف. وفي المواقع الفنية، يظل التأهيل ومتطلبات السلامة والإشراف شروطًا أساسية قبل إسناد أي مسؤولية تشغيلية جديدة.
ولا يمكن إعداد البدائل دون نقل الخبرات بصورة مؤسسية. فتدوين الدروس المستفادة من الأعطال وأعمال الصيانة والتطوير، وإشراك الأقل خبرة في تحليل المشكلات، وإتاحة التعلم العملي تحت إشراف أصحاب الخبرة، كلها وسائل تجعل المعرفة متاحة لمن سيحتاج إليها. وهي أيضًا تقدير عملي لأصحاب الخبرة، لأن ما تعلموه عبر السنين يصبح أساسًا يبني عليه غيرهم.
أما بنك الكفاءات، فلا ينبغي أن يكون مجرد قائمة بالأسماء والمؤهلات. قيمته أن يساعد المؤسسة على معرفة ما يجيده العاملون، وما أنجزوه، وما المهارات التي يحتاجون إلى تطويرها، ومدى استعدادهم لوظائف محددة. ويكتمل ذلك بتقييم الأداء الفعلي، وخطط تطوير فردية، وفرص منصفة لإظهار القدرات؛ فقد يكون الشخص المناسب موجودًا في إدارة أخرى ولم تتح له بعد فرصة كافية لإثبات إمكاناته في نطاق أوسع.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الترشيح والجاهزية. فالترشيح يفتح مسار التأهيل، لكنه لا يمنح صاحبه وعدًا بالمنصب. والجاهزية تُبنى بالتدريب والممارسة ونقل المعرفة، ثم تُختبر بمدى قدرة الشخص على أداء المسؤولية وتحقيق النتائج، مع الالتزام بمتطلبات الوظيفة والسلامة.
إن تعظيم الاستفادة من الكفاءات البشرية في قطاع الأسمدة يبدأ بسؤال عملي: ما الوظائف التي يصعب تعويض الخبرة فيها، ومن يمكن تأهيله لها، وما الذي ينقصه ليصبح مستعدًا؟ كلما طُرحت هذه الأسئلة مبكرًا، امتلكت المؤسسة وقتًا أفضل للإعداد والاختيار.
تطوّر مصانع الأسمدة معداتها وأنظمة التحكم فيها للحفاظ على كفاءة الإنتاج. وتستحق خبراتها البشرية القدر نفسه من العناية. فالتعاقب الوظيفي الناجح يحفظ ما تعلمه المصنع عبر السنين، ويمنح الجيل التالي فرصة عادلة ليضيف إليه.
كاتب المقال د. حمدي الهراس
كاتب في تطوير الأداء الإداري والصناعي والإنساني
dr.hamdyelharras@gmail.com

