منظر متكرر نراه كثيرا في مدارس التعليم الفني على مستوى الجمهورية، ورش مغلقة تظهر لنا وكأنها مهجورة منذ زمن بعيد، ماكينات يغطيها التراب؛ لأنها متوقفة عن العمل رغم أنها حديثة، أجهزة كمبيوتر داخل الكراتين لم تستعمل وملقاة على الأرض وكأنها خردة لا قيمة لها ، ومن ناحية أخرى نجد أن الدولة تنفق مليارات الجنيهات كل عام على التعليم الفني لأنه قاطرة التقدم .
ولكن السؤال المهم هنا هل هذا استثمار؟ أم إهدار للمال العام؟
أولا أين تنفق كل هذه الأموال ؟
(١) معدات وأجهزة بدون تشغيل: فنجد أن الميزانية السنوية تستخدم لتوريد ماكينات لحام، CNC، أجهزة كمبيوتر، أجهزة تبريد وتكييف ، ماكينات طباعة، ماكينات غزل ونسيج خطوط انتاج للتابلت، كل هذا وغيره الكثير يخرج من المخازن ويكلف الدولة المليارات من أجل تعليم أبنائنا وتخريج عمالة فنية مدربة يحتاجها سوق العمل، لكن للأسف كل هذا وغيره يظل حبيس داخل الورش لا يسمح للطلاب التدريب والعمل والإنتاج عليه خوفاً من إتلاف هذه الأجهزة الحديثة من ناحية، أو لعجز المعلمين عن تشغيلها، أو عجزهم عن صيانتها، أو لعدم وجود خامات للتشغيل.
(٢) خامات نظرية: من الملاحظ أن ميزانية خامات التدريب حبر على ورق، فالطالب يقضي السنة الدراسية كلها في حل امتحانات نظرية، وليس هناك تطبيق عملي لما يدرسه، فهو يتخرج ولا يستطيع تشغيل الماكينة التي من المفترض أن يعمل عليها بعد تخرجه.
(٣) مباني بلا روح: فنجد أن الدولة قامت بإنشاء الورش والمصانع داخل المدارس الفنية وأنفقت عليها الملايين والمليارات من أجل توفير عمالة فنية مدربة لسوق العمل، ولكن للأسف لا يوجد ربط بين المنتج من هذه المدارس واحتياجات سوق العمل، فأصبح كل هذا مجرد ديكور للتصوير في الزيارات الرسمية .
(٤) تدريبات المعلمين بلا فائدة: فنجد أن الدولة توفر تدريبات للمعلمين داخل مصر وخارجها لرفع كفاءتهم ولكن النتيجة بعد ذلك زيرو؛ بسبب المناهج العقيمة والورش المغلقة والخوف على الأجهزة والمعدات وتركها داخل الكراتين دون عمل.
النتيجة خسارة من كل النواحي مثل :
(١) خسارة الأموال فمليارات الجنيهات تنفق على أجهزة ومعدات تصبح خردة بعد 3سنوات لعدم استخدامها.
(٢) خسارة طلبة فنجد أن حوالي 2 مليون طالب في التعليم الفني يضيعون 3 سنوات من عمرهم ويتخرجوا بعد ذلك بشهادة لا تساوي الحبر الذي كتبت به لأنه تخرج لا يفقه شيئا عن تخصصه، ولا يستطيع أن يدخل سوق العمل.
(٣) خسارة المصانع، فالمصانع تحتاج عمالة فنية مدربة في حين أن خريجي المدارس الفنية لا يستطيعون التفرقة بين المفك والصامولة. مما يضطر أصحاب المصانع إلى الاستعانة بالخيرات الأجنبية.
ولكن السؤال هنا لماذا كل ما سبق إهدار وليس استثمار ؟
أولا الاستثمار معناه أموال داخلة وأموال خارجة ينتج عنها أرباح.
أما الإهدار هو الصرف على المشروعات دون عائد، ونحن ننفق على التعليم الفني و العائد كلنا نعلمه.
ويجب أن نسأل أنفسنا ما الحل إذن؟
لكي نحول الإهدار إلى إنتاج نحتاج إلى:
(١) فتح ورش المدارس للسوق، فيجب مثلاً تصنيع ديسكات المدارس، إصلاح الأجهزة الحكومية، طباعة الكتب المدرسية و المطبوعات الحكومية، تشغيل خطوط الإنتاج وتدريب الطلاب عليها كل هذا وغيره يدر أموالاً يستفيد منها
الطالب والمعلم والوزارة، وتوفر الأموال اللازمة لشراء الخامات وصيانة الأجهزة وتوفير عائد للدولة إذا أحسنا إدارة تلك الموارد المهدرة.
(٢) شراكة إجبارية مع الشركات الكبرى بضرورة تبنيها بعض الورش في المدراس الفنية ورعاية وتدريب الطلاب وتسويق منتجاتهم.
(٣) المحاسبة المستمرة ، فبعد توفير ما يلزم لتلك المدارس الفنية يجب محاسبة المسؤولين عنها عن مخرجات التعليم.
وفي النهاية يجب أن نعلم أن ورش التعليم الفني والمعدات ليست هي المشكلة، لكن المشكلة أننا نشتري أحدث الأجهزة والمعدات ونتركها إما داخل الكراتين أو بدون تشغيل حتى يأكلها الصدأ وتصبح خردة لا قيمة لها، وتهدر كل هذه الأموال دون فائدة . على الرغم أننا لو قمنا بتشغيل نصف هذه الورش فقط سوف نوفر المليارات ونقلل الإستيراد من الخارج، ونوفر الكثير من فرص العمل، ونقلل البطالة .
التعليم الفني يحتاج إلى أفكار وعقول مصرية مخلصة تحول كل هذا الإهدار إلى استثمار حقيقي.
البترول
مقالات
إبراهيم عبدالرازق يكتب: التعليم الفني إهدار للمال العام
- by ahmed alnadeem
- 18 أغسطس، 2026

