ليست كل المعارك تُخاض بالمدافع، وليست كل الحروب تُسمع فيها أصوات الرصاص. فهناك حروب تُدار بالعقول، وتُنسج خيوطها في الغرف المغلقة، ويكون الهدف فيها إسقاط الدولة من الداخل قبل أن يجرؤ أحد على الاقتراب من حدودها.
ولعل ما شهدته مصر بين عامي 2011 و2013 كان من أخطر المنعطفات في تاريخها الحديث. سنوات مضطربة، اختلطت فيها الأحلام بالمخاوف، وامتزجت المطالب المشروعة بمحاولات استغلال الفوضى، حتى بدا وكأن الوطن يقف على حافة الهاوية.
ويرى كثيرون أن تلك المرحلة لم تكن مجرد صراع سياسي داخلي، بل كانت جزءًا من صراع إقليمي ودولي أكبر، راهنت فيه قوى مختلفة على أن تنهار الدولة المصرية كما انهارت دول أخرى، وأن تنزلق إلى اقتتال داخلي يفتح الباب أمام التدخل الخارجي تحت عناوين براقة وشعارات براقة، بينما تكون النتيجة الحقيقية هي إسقاط الدولة وتفكيك مؤسساتها.
لكن مصر، التي اعتادت أن تُفشل الرهانات، سلكت طريقًا مختلفًا.
فمع كل محطة فاصلة كانت مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة، تتحرك بما يحول دون انزلاق الوطن إلى حرب أهلية، لتظل الدولة قائمة رغم شدة العاصفة، ورغم حجم الاستقطاب الذي بلغ ذروته في تلك السنوات.
وجاءت الثلاثون من يونيو لتسجل لحظة فارقة في تاريخ المصريين، حين خرجت الجماهير تعبر عن رؤيتها لمستقبل وطنها، ثم جاءت استجابة مؤسسات الدولة لتؤكد أن الحفاظ على كيان الدولة ووحدة الوطن يظل أولوية لا تعلو عليها أولوية.
قد تختلف القراءات السياسية حول تفاصيل تلك المرحلة، لكن ما لا يختلف عليه المنصفون أن مصر نجحت في عبور واحدة من أخطر الأزمات التي واجهتها، وأنها حافظت على مؤسساتها، وعلى جيشها الوطني، وعلى وحدتها، بينما كانت خرائط المنطقة تتغير من حولها.
إنني أؤمن بأن قوة مصر ليست في سلاحها وحده، وإنما في تماسك شعبها، وفي جيشها الوطني الذي ظل على مدار تاريخه درعًا للوطن، وفي مؤسساتها التي تمثل ركائز الدولة الحديثة، مهما اختلفت الحكومات أو تبدلت الوجوه.
إن دعم الدولة المصرية ليس انحيازًا لفرد، وإنما انحياز لفكرة الوطن. ودعم القوات المسلحة ليس موقفًا سياسيًا، وإنما إيمان بأن الجيش المصري هو صمام أمان البلاد، والحصن الذي يحمي الأرض والشعب والدولة.
لقد أثبت التاريخ أن الأوطان لا تسقط عندما تختلف الآراء، وإنما تسقط عندما تنهار مؤسساتها. ولذلك كان الحفاظ على الدولة المصرية، وسيظل، واجبًا وطنيًا يتقدم على كل خلاف، لأن الوطن إذا ضاع فلن يبقى لخلافاتنا معنى، ولن يجد أبناؤه وطنًا يختلفون تحت سمائه.
عاشت مصر عزيزة آمنة مستقرة، وحفظ الله جيشها العظيم، وشرطتها الباسلة، وقضاءها الشامخ، وكل مؤسساتها الوطنية، وألهم أبناءها دائمًا أن يختلفوا من أجل الوطن، لا عليه، وأن يجعلوا مصلحة مصر فوق كل اعتبار.
تحيا مصر… قويةً بشعبها، شامخةً بجيشها، راسخةً بمؤسساتها، محفوظةً بعناية الله.

