30 سبتمبر، 2026
البترول ثروة معدنية

عبدالنبي النديم يكتب: منتدي مصر للتعدين.. قصة جديدة للدولة المصرية

حوار بسيط مع صديقي المثقف حول تأثير منتدى مصر للتعدين، على الاستغلال الأمثل لثروات مصر الطبيعية، ودورها في دفع عجلة الإنتاج والخروج بالاقتصاد القومي من عنق الزجاجة؟
ابتسم صديقي وأمسك بهاتفه يقلب بين صفحاته، ومد يده تجاهي قال اقرأ هذا ..
التقت هاتفه، فوجدت مجلد صادر عن المجمع العلمي المصري بالقاهرة لعام 1942، يرصد رحلات الاستكشاف التي لا تنتهي عن كنوز مصر عبر العصور منذ آلاف السنين.. يرصد قصة التعدين المصرية وتأثيرها على التعدين في العالم..

أمسك صديقي زمام الحوار قائلا لي: أن الاستكشاف شغفٌ مصري منذ قديم الأزل ولن ينتهي، وكل شبر في هذه الأرض ما زال يخبئ قصصاً وأسراراً تنتظر من يكتشفها فمثلاً مجلد المجمع العلمى المصري الصادر عام 1942، يوضح كيف كانت الصحراء الشرقية لمصر مسرحاً لرحلات استكشاف تاريخية ومحاولة لفك أسرار كنوزها الممتدة عبر العصور، ومن خلال دراسة الكاتب ج. و. موراي الذي يرصد تفاصيل مذهلة عن أقدم خريطة في العالم (بردية تورين) كأول خريطة جيولوجية وطبوغرافية في التاريخ.
المصريين القدماء لم يكتفوا بإنشاء خرائط للمواقع فحسب، بل استخدموا الألوان ببراعة للتعبير عن طبيعة الصخور والجيولوجيا ، حيث لُوّنت جبال الجرانيت الغنية بالذهب باللون الوردي، بينما لُوّنت جبال الشست الداكنة في وادي الحمامات باللون الأسود.
وقد كشفت الدراسة والرحلات الاستكشافية الميدانية أن الخريطة تُصوّر بدقة منطقة “أم الفواخير” بالقرب من وادي الحمامات، وهي إحدى أهم مناطق استخراج الذهب والفضة في مصر القديمة خلال عهد الملوك سيتي الأول ورمسيس السادس وتشرح أوراق المجمع الطرق التي استخدمها القدماء للربط بين نهر النيل والبحر الأحمر، وتوضح وجود مستوطنات كاملة لعمال التعدين وآبار المياه، واللوحات التذكارية الملكية المنحوتة في قلب الجبال..
حواري مع صديقي أشعل الفضول بداخلي، وودعته وأنا عازم عن التفتيش في أغوار ثروات مصر الطبيعية، فليست كل الثروات المعدنية في مصر مرئية للعين، فبعضها يختبئ في أعماق الأرض لسنوات طويلة منتظرًا لحظة الاكتشاف، ولحظة القرار والإرادة التي تحول الصخور إلى ثروة، والمعادن إلى صناعة، والموارد الطبيعية إلى قوة اقتصادية تساند الدولة في معارك التنمية والبناء في مصر، الدولة التي شيد أجدادنا بين ربوعها حضارة من قلب الصحراء وعلى ضفاف النيل أذهلت العالم حتى الآن.
واليوم ..ومع إنطلاق منتدى مصر للتعدين في ثوبه الجديد وتحت الرعاية السامية والحضور من الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية، نقف اليوم أمام فرصة تاريخية جديدة، لإعادة اكتشاف أحد أهم مصادر قوة مصر الكامنة في ثرواتها المعدنية الهائلة التي ظلت لعقود طويلة مهملة ولم يتم استغلالها الاستغلال الأمثل الذي يتناسب مع حجم إمكاناتها الحقيقية، ليعبر منتدى مصر للتعدين عن مرحلة جديدة في التفكير الاقتصادي للدولة المصرية، مرحلة لا تكتفي بإدارة الموارد، بل تسعى إلى تعظيم قيمتها المضافة، ولا تكتفي باستخراج الخامات، بل تستهدف بناء صناعة متكاملة قادرة على خلق الثروة وفرص العمل وتعزيز مكانة مصر على خريطة الاقتصاد العالمي.
ففي العقود الطويلة الماضية، كانت مساهمة قطاع التعدين في الاقتصاد المصري أقل بكثير من حجم الإمكانات المتاحة، ورغم ما تحتويه الأراضي المصرية من احتياطيات واعدة من الذهب والفوسفات والرمال البيضاء والكاولين والتلك والمنجنيز والمعادن النادرة والاستراتيجية وغيرها من المعادن، فإن الاستفادة الاقتصادية من هذه الثروات ظلت محدودة بفعل تشريعات تقليدية وإجراءات معقدة وبيئة استثمارية لم تكن قادرة على المنافسة مع الأسواق التعدينية الكبرى.
ولكن جاءت الثورة الشاملة خلال السنوات الأخيرة الماضية، لتشهد تحولًا جوهريًا في فلسفة الدولة تجاه هذا القطاع الحيوي، فقد أدركت القيادة السياسية بوعيها المستنير، وفكر قيادات قطاع التعدين المصري، الذي أيقن أن العالم يتغير بوتيرة متسارعة، وأن المعادن أصبحت قلب الصناعات الحديثة ومحرك التحول العالمي نحو التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة، وأن الدول التي تملك الموارد وتنجح في إدارتها ستكون الأكثر قدرة على المنافسة في اقتصاد المستقبل.
ومن هنا بدأت رحلة الإصلاح الحقيقي، حيث اتخذت وزارة البترول والثروة المعدنية خطوات جادة لإعادة هيكلة القطاع وتطوير بنيته التشريعية والتنظيمية، وبرزت جهود وفكر المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، الذي تبنى رؤية تقوم على تحويل التعدين من قطاع محدود التأثير إلى أحد الروافد الرئيسية للاقتصاد القومي، وارتكزت هذه الرؤية على تحديث القوانين واللوائح المنظمة للنشاط التعديني، بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمستثمر بما يحقق التوازن بين الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة، والعمل على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وشهدت المرحلة الأخيرة التوسع في طرح الفرص التعدينية وفق آليات أكثر شفافية وتنافسية، وتوفير بيئة استثمارية تمنح المستثمر الثقة في استقرار السياسات ووضوح الإجراءات، بدءا من أهم هذه التحولات المؤسسية التي شهدها قطاع التعدين المصري بإعادة تنظيم هيئة الثروة المعدنية وتحويلها إلى هيئة اقتصادية تحت مسمى «هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية»، وهو القرار الذي يمثل نقلة نوعية في إدارة الموارد التعدينية المصرية، ويعكس توجه الدولة نحو منح الهيئة المرونة اللازمة للعمل وفق مفاهيم الإدارة الاقتصادية الحديثة.
وبعد طرح حوافز الاستثمار وتعديل بعض القوانين، الذي حارب من أجلها المهندس كريم بدوي، يأتي الدور على الدكتور ياسر رمضان، رئيس هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية، الذي قاد جهود التطوير الفني والمؤسسي، الذي عمل جاهدا على تحديث قواعد البيانات الجيولوجية في مصر، بالتوسع في أعمال المسح والاستكشاف، وتطوير منظومة الخدمات المقدمة للمستثمرين، بما يتواكب مع أفضل الممارسات العالمية في إدارة قطاع التعدين، ليتحول قطاع التعدين من مجرد نشاط لاستخراج الخامات من باطن الأرض، ليصبح صناعة متكاملة تبدأ بالاستكشاف والبحث الجيولوجي، مرورًا بالاستخراج والمعالجة والتصنيع، وصولًا إلى التصدير وتوطين التكنولوجيا وخلق فرص العمل، وهنا تتجلى القيمة الاستراتيجية للثروة المعدنية المصرية، فكل طن من الخام يجري تصنيعه محليًا يضيف قيمة اقتصادية مضافة ومضاعفة، وكل مشروع تعدين جديد يخلق سلسلة واسعة من الأنشطة الصناعية والخدمية المرتبطة به، وكل استثمار ناجح في هذا القطاع ينعكس بصورة مباشرة على معدلات النمو والتشغيل والصادرات وموارد النقد الأجنبي.
إن العالم اليوم يشهد سباقا محموما على المعادن الاستراتيجية التي تدخل في الصناعات التكنولوجية المتقدمة ومشروعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي، وتمتلك مصر فرصة استثنائية لتأمين مكانتها المتقدمة في سلاسل الإمداد العالمية، بشرط الاستمرار في تطوير بيئة الاستثمار وتعميق التصنيع المحلي وتعزيز الشراكات الدولية.
القيمة الحقيقية التي أظهرها «منتدى مصر للتعدين 2026»، أنه كشف عن تحول استراتيجي عميق في رؤية الدولة المصرية لمواردها الطبيعية، وتفعيل الاستغلال الأمثل لثرواتها المعدنية، الأمر الذي من شأنه نقل مصر من مرحلة استهلاك الثروات الطبيعية إلى مرحلة صناعة الثروة، بالاعتماد على الإمكانات الكامنة إلى توظيفها في بناء مستقبل أكثر قوة واستدامة لخدمة الاقتصاد القومي.
إن ما يقوم بهد قطاع التعدين المصري الآن، بما يمتلكه من رؤية وإرادة وقدرة على تحويل هذه الموارد إلى قوة اقتصادية وقيمة مضافة، ليس مجرد تطوير لقطاع اقتصادي مهم، بل هو جزء من مشروع وطني كبير يعيد رسم خريطة الاقتصاد المصري للأجيال القادمة، بدءا من أعماق الصحراء المصرية، وبين جبال البحر الأحمر وسيناء والصحراء الشرقية والغربية، فهناك في قلب الصحراء وبين الجبال لم تعد المعادن ترقد وحدها، بل أيقظتها فرص الاستثمار الهائلة للنمو والازدهار والتقدم، لاستغلال هذه الكنوز بعقلية العصر وأدوات المستقبل.
إن الإنطلاقة القوية لمنتدى مصر للتعدين لم يكن للبحث والاستكشاف واستخراج الذهب أو الفوسفات أو المعادن النادرة فحسب، بل لاستخراج قوة جديدة للدولة المصرية، بتحويل الثروة المعدنية من إمكانات كامنة تحت الأرض إلى قوة اقتصادية فاعلة فوق الأرض، وتضيف صفحة مشرقة إلى سجل بناء الجمهورية الجديدة، وترسخ دعائم اقتصاد وطني أكثر قدرة على المنافسة والصمود في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء القادرين على استثمار مواردهم وتحويلها إلى مستقبل واعد للأجيال الحالية ووضع قواعد ثابتة للأجيال القادمة، فلم يكن هذا المنتدى مجرد تجمع دولي للخبراء والمستثمرين وصناع القرار، بل كان رسالة سياسية واقتصادية واضحة مفادها أن الدولة المصرية قررت أن تفتح ملف الثروة المعدنية بمنظور جديد، وأن تحول ما تختزنه جبالها وصحاريها من كنوز طبيعية إلى قيمة اقتصادية حقيقية تساهم في بناء الجمهورية الجديدة وتعزيز قدراتها الإنتاجية والتنافسية..
وللحديث بقية .. ما دام في العمر بقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *