في ذكرى أكتوبر، لا تستوقفنا صورة العبور وحدها، وإنما يستوقفنا العقل الذي سبق العبور ومهد له، ثم العقل الذي حاول أن يقرأ ما بعده. ومن هنا تأتي أهمية تجربة أنور السادات؛ فالرجل لم يكن يتعامل مع أكتوبر باعتباره لحظة عسكرية تنتهي بانتهاء المعركة، وإنما باعتباره بداية لمسار جديد في تاريخ الدولة المصرية.
لم يكن يرى المستقبل بعين الغيب؛ فالغيب لله وحده، وإنما كان يقرأ الحاضر بعين استراتيجية. كان يرى القناة، لكنه كان يفكر في سيناء. وكان يرى الحرب، لكنه كان يفكر في نهايتها. وكان يرى النصر، لكنه كان يسأل عن ثمنه السياسي، وما الذي ينبغي أن تفعله مصر بعد أن تستعيد قدرتها على المبادرة.
وهنا تكمن قيمة تجربته.
فالعبور لم يكن مجرد عبور جنود إلى الضفة الشرقية، بل كان عبورا من حالة فرضت على مصر بعد 1967 إلى حالة تستعيد فيها قدرتها على الفعل. وحين تحقق الإنجاز العسكري، لم يتعامل السادات معه كخاتمة، بل كأداة تفتح الطريق أمام مرحلة أخرى؛ فانتقل من ميدان الحرب إلى ميدان السياسة، ومن استخدام القوة إلى توظيف نتائجها في مسار سياسي انتهى إلى استعادة سيناء كاملة وفق مسار طويل ومعقد.
قد تختلف الآراء حول قرارات السادات السياسية، وقد تتعدد القراءات التاريخية لنتائجها، لكن تجربته تظل شاهدة على حقيقة أوسع: أن قوة الدولة لا تكمن في قدرتها على خوض المعركة فقط، بل في قدرتها على معرفة متى تقاتل، ومتى تفاوض، وكيف تحول ما حققته إلى مكاسب تحفظ مصالحها.
ومن هذه النقطة بالذات يبدأ الطريق إلى الحاضر.
فالعالم الذي نعيش فيه تغيرت أدوات صراعه، لكن منطقه لم يتغير. لم تعد حدود القوة تقاس بالسلاح وحده؛ فالأمن اليوم يتصل بالطاقة والغذاء والاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة والمعلومات وطرق التجارة، كما يتصل بالقدرة على الحركة السياسية في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
وهنا تصبح تجربة السادات جسرا حقيقيا لا مجرد ذكرى.
فكما أدرك أن استعادة الأرض تحتاج إلى أكثر من معركة، فإن حماية مصالح الدولة اليوم تحتاج إلى أكثر من مواجهة أزمة بعد وقوعها. وكما كان الاستعداد شرطا للعبور في 1973، أصبح الاستعداد الاقتصادي والعلمي والصناعي شرطا لعبور أزمات هذا العصر.
لقد أظهرت التطورات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما الحرب في غزة واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، أن ما يحدث خارج الحدود يمكن أن يصل أثره إلى الاقتصاد والتجارة والطاقة داخلها. وقد أشارت الدولة المصرية إلى خسائر تقارب عشرة مليارات دولار في إيرادات قناة السويس خلال السنوات الأخيرة نتيجة تداعيات الحرب واضطرابات الملاحة.
وهنا تتجدد صورة القناة، ولكن بمعنى مختلف.
في أكتوبر كانت القناة مانعا عسكريا ينبغي عبوره. واليوم هي شريان اقتصادي ينبغي حمايته وتعظيم قدرته، إلى جانب بناء اقتصاد يستطيع أن يتحمل اضطراب الطرق والأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد.
ولهذا لا يكون استحضار أكتوبر في الحاضر بالبكاء على الماضي، وإنما بتحويل فلسفة العبور إلى عمل.
أن ننتقل من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن انتظار احتياجاتنا إلى القدرة على توفيرها، ومن معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء احتياطيات وقدرات تقلل أثرها عندما تقع.
وهذا المعنى حاضر في التوجهات المعلنة للدولة؛ فخطة التنمية 2026/2027 تضع التنمية البشرية والإنتاج والأمن الغذائي ضمن أولوياتها، فيما تستهدف الاستراتيجية الصناعية الوطنية 2026–2030 زيادة الصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار بحلول 2030.
قد تبدو هذه الملفات بعيدة عن مشهد الجنود وهم يعبرون القناة، لكنها في جوهرها امتداد للسؤال نفسه:
كيف تمتلك الدولة القدرة على ألا تكون أسيرة للظروف؟
كان هذا السؤال حاضرا في تجربة السادات، وإن اختلفت أدوات الإجابة. فمصر في السبعينيات احتاجت إلى بناء القدرة العسكرية التي تفتح طريق التفاوض، ومصر اليوم تحتاج إلى بناء القدرة الاقتصادية والعلمية والصناعية التي توسع هامش الحركة أمامها في عالم تتبدل فيه موازين القوة بسرعة.
وهكذا يصبح السادات جسرا بين زمنين، لا لأن الحاضر نسخة من الماضي، وإنما لأن منطق الدولة في مواجهة المتغيرات لا يتغير: اقرأ الواقع، استعد للمحتمل، امتلك البدائل، ولا تترك مستقبلك رهنا بما يقرره الآخرون.
لقد عبر المصريون في أكتوبر لأنهم لم يقبلوا أن يظل الواقع الذي فرضته نكسة 1967 هو قدرهم.
واليوم، فإن عبور المستقبل يعني ألا نقبل أن تكون الفجوة التكنولوجية قدرا، أو أن يكون ضعف الإنتاج قدرا، أو أن يكون الاعتماد على الخارج قدرا.
فلكل عصر خط بارليف مختلف.
خط الأمس كان على الضفة الأخرى من القناة، أما خطوط اليوم فقد تكون في مصنع لا ينتج، أو معمل لا يبتكر، أو مدرسة لا تصنع عقلا قادرا على المنافسة، أو اقتصاد لا يملك البدائل وقت الأزمات.
ومن هنا فإن أعظم وفاء لأكتوبر ليس أن نكرر ما فعله آباؤنا، وإنما أن نفعل في عصرنا ما فعله جيل أكتوبر في عصره: أن نقرأ اللحظة، ونستعد لها، ونمتلك شجاعة الانتقال من رد الفعل إلى صناعة الفعل.
لم يكن عبور أكتوبر نهاية الطريق، بل كان فتحا لطريق جديد.
وكذلك ينبغي أن يكون أكتوبر في وعينا اليوم: لا مناسبة نحتفل بها ثم نعود إلى ما كنا عليه، وإنما سؤالا يطاردنا كل عام:
إذا كان جيل أكتوبر قد عبر القناة، فما الذي ينبغي لجيلنا أن يعبره؟
ربما تكون الإجابة هي: أن نعبر من الاحتفال بالانتصار إلى صناعة القدرة، ومن استهلاك ما ينتجه العالم إلى المشاركة في إنتاجه، ومن الخوف من المستقبل إلى الاستعداد له.
فالأوطان لا تعيش على أمجاد الماضي، لكنها تستطيع أن تجعل من أمجاد الماضي طاقة لبناء المستقبل.
وفي أكتوبر عبرنا القناة… أما اليوم، فالمعركة الأعمق هي أن نعبر إلى المستقبل قبل أن يسبقنا إليه الآخرون.

